بيع الاستجرار والدعوة إلى تطبيقه في المصارف الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، الاستجرار لغة: مصدر استجرّ وهو الأخذ تباعاً، واصطلاحاً هو: أخذ الحوائج من البياع شيئاً فشيئاً، ودفع ثمنها بعد ذلك (الموسوعة الفقهية الكويتية، 9: 43). وقد يكون أصرح من ذلك أن نقول إن الاستجرار: هو شراء السلع من بائعها شيئاً فشيئاً بناءً على عرف اجتماعي ملحوظ، أو تفاهم ملفوظ. والإغضاء عن ذكر الثمن في التعريف أولى ليشمل صوراً أخرى لا يكون فيها الثمن مؤجلاً.

 

وبناءً على العرف أو التفاهم الملفوظ يأخذ المشتري (أو أيّ من أفراد أسرته) ما تحتاج إليه الأسرة من السلع لاستهلاكها الجاري مثل الخبز أو اللحم أو الخضار، مما يعرضه البائع فتشغل ذمة المشتري بثمنها. ولأن ما يشترى في كل مرة يكون يسيراً سواء من حيث مقادير السلع أو من حيث العوض عنها؛ نعت الفقهاء المعقود عليهما بالمحقرات وهو وصف له دخل في الحكم على هذه المعاملة لجهة أن الغرر حتى إنْ وجد فيها يكون يسيراً مما يتسامح به الناس.

 

تكييف بيع الاستجرار:

عرض الحنفية (ابن عابدين، 4: 516) في تكييف هذه المعاملة تخريجات متعددة في سياق حديثهم عن شروط المعقود عليه ولزوم كونه موجوداً؛ فمنهم من عدَّ الاستجرار بيعاً لمعدوم لأن الشراء يكون بعدما انعدمت السلعة.

 

وعرض آخرون تكييفه كضمان المتلفات بإذن مالكها عرفاً تسهيلاً للأمر ودفعاً للحرج، لذلك عدَّوا تصرف المشتري في المبيع قبل شرائه إتلافاً للمال يوجب عليه الضمان. واعترض على هذا التكييف بأن ضمان المثليات بالمثل وضمان القيميات بالقيمة لا بالثمن، الأمر الذي لزم معه أن يهجر القياس ويتسامح في بيع هذا المعدوم من باب الترخص والاستحسان.

واختار آخرون تخريج هذه المعاملة على قرض الأعيان التي يتوافق على ضمانها بالثمن استحساناً فتبرأ الذمة بهذا التراضي. وعدَّها غيرهم بيعاً بالتعاطي، وأن المشتري كلما أخذ شيئاً انعقد بيعاً بثمن السوق الذي يتبايع به الناس. وتكمن المشكلة في إن ثمن السوق وقت الأخذ قد يكون متفاوتاً أو مجهولاً؛ وإذا كانت هناك جهالة في الثمن وقت الأخذ فإنه لا ينعقد صحيحاً بالتعاطي.

 

والصحيح والله أعلم في تخريج هذه المعاملة أنها مواطئة أو مواعدة على بيع يستأمن البائع فيه على تحديد الثمن وعلى توثيقه، وينعقد في كل مرة بيعاً بتسلم المبيع؛ فلا مورد لاعتباره معدوماً انقضى ولا غائباً متعيناً ولا موصوفاً في الذمة، فإن أعرض المشتري عن معرفة الثمن كما هو الحال غالباً في بيع المعاطاة فهذا شأنه، وكان يمكنه ذلك إن أراد بسؤال البائع شفاهاً أو الالتفات إلى تبيينه كتابة من ملاحظة كشف الأسعار أو السعر المرقوم على المبيع ذاته أو قسيمة (فاتورة) البيع.

 

حكم الاستجرار:

اختلف الفقهاء في حكم بيع الاستجرار لما يعرض فيه للمعقود عليهما؛ ففي المبيع يلحظ المانعون غرراً أو جهالة تقدح بمشروعية البيع لجهة التردد بين كونه ناجزاً أم معدوماً انقضى أو حتى معدوماً ينتظر، حاضراً أم غائباً، معلوماً بالمشاهدة أم بالوصف أم بالأنموذج، محدد القدر أم غير محدد، حالّاً أم ديناً في الذمة، وأخيراً حقيراً أم جليلاً؛ فكل ما كان بعد أم كان مورداً للاعتراض. وهو اعتراض يجاب عليه باعتبار الاستجرار مواعدة تنعقد بيعاً في كل مرة يقبض فيها المشتري المبيع، وعندئذ يكون ناجزاً حاضراً معلوماً محدود القدر حالّاً، وهذا ما يلزم أهل القياس في المحَّل، ومن لم يسعه ذلك واعتبره معدوماً انقضى رخَّص فيه استحساناً في البيعات المحقرة أي الصغيرة.

 

وفي الثمن، يلحظ الفقهاء تردده بين العلم والجهالة، فإن لم يكن معلوماً وقبل المشتري انعقاده بسعر السوق أو بما يتعامل به الناس يوم أخذه، أيكون سعر السوق واحداً أم متفاوتا؟. وهل يتحدد السعر استنامة واسترسالاً أم بطريقة أخرى؟.

 

وبالنسبة لأجل الثمن، أيكون معجلا؟ فإن كان كذلك؛ أيكون دفع النقد على سبيل الوديعة والأمانة التي يخول البائع الاستيفاء منها، أم يدفع على أنه ثمن معجل؟. وإن كان مؤجلاً فهل الأجل معلوم أم غير معلوم؟، فإن كان غير معلوم فهل هو قريب أم بعيد؟، وهل قوبل الأجل بجزء من الثمن أم لا؟. وكل ما بعد أم محل لاعتراضات المانعين لمخالفته القياس (انظر المصري، ندوة الأربعاء، مركز الاقتصاد الإسلامي، 10/10/1427).

 

لأجل ما تقدم تتعدد صور الاستجرار وتختلف أحكامها بتعدد هذه الاعتبارات، والصحيح منها ما كان الاستجرار فيه محض مواطئة أو مواعدة على بيع ينعقد في كل مرة يأخذ فيها المشتري شيئاً من السلعة بيعة قائمة بذاتها، يتحدد فيها السعر الذي يثبت في ذمة المشتري استنامة واسترسالاً، ويؤتمن البائع على تحديده وتوثيقه، وكان يمكن للمشتري معرفته بالسؤال عنه أو ملاحظة كشوف الأسعار أو فواتير الحساب، والمشتري على رأس أمره في الاستمرار في هذه المعاملة أم التوقف عنها.

قال مالك: "ولقد حدثني عبد الرحمن بن المجبر عن سالم بن عبد الله قال: كنا نبتاع اللحم كذا وكذا رطلاً بدينار، يأخذ كل يوم كذا وكذا، والثمن إلى العطاء، فلم ير أحد ذلك ديناً بدين، ولم يروا بذلك بأساً" (المدونة، 10: 293).

 

وقال ابن تيمية: "وعلى هذا عمل المسلمين دائماً، لا يزالون يأخذون من الخباز الخبز، ومن اللحام اللحم، ...، ولا يقدران الثمن، بل يتراضيان بالسعر المعروف ويرضى المشتري بما يبيع به البائع لغيره من الناس، وهذا هو المسترسل، وهو الذي لا يماكس، بل يرضى بما يبتاع به غيره، وإن لم يعرف قدر الثمن، فبيعه جائز إذا أنصفه، فإن غبنه فله الخيار ...، ولهذا يرضى الناس بتخبير الثمن أكثر مما يرضون بالمساومة، ...، ومن قال: هذا بيع باطل، فقوله فاسد، مخالف للنص وللقياس وللمعقول، وليس هذا من الغرر الذي نهى عنه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، بل قد ثبت في الصحيح أنه اشترى من عمر بعيره ... ولم يقدر ثمنه، وهب أنهما لم يرضيا بثمن مقدر: فهما على اختيارهما إن تراضيا بثمن مقدر وإلا ترادّا السلعة" (نظرية العقد: 155).

 

وقال ابن القيم: "اختلفت الفقهاء في جواز البيع بما ينقطع به السعر من غير تقدير الثمن وقت العقد، ...، فمنعه الأكثرون ...، والقول الثاني وهو الصواب المقطوع به، وهو عمل الناس في كل عصر ومصر، جواز البيع بما ينقطع به السعر، وهو منصوص الإمام أحمد، واختاره شيخنا، وسمعته يقول: هو أطيب لقلب المشتري من المساومة، يقول: لي أسوة بالناس، آخذ بما يأخذ به غيري. قال: والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه، بل هم واقعون فيه، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا إجماع الأمة ولا قول صاحب ولا قياس صحيح ما يحرمه" (إعلام الموقعين، 4: 6).

 

صور الاستجرار

  • الاستجرار المنظم باتفاق المشتري مع البائع في أن يأخذ طلبه شيئاً فشيئاً بثمن معلوم وقت أخذه على أن يسدده المشتري في أجل معلوم، وهذا البيع لا خلاف فيه عند من أجاز المعاطاة وهم الحنفية والمالكية والحنابلة والغزالي من الشافعية؛ فكلما أخذ شيئاً انعقد بيعاً بثمنه المعلوم ولا يستلزم ذلك نقد الثمن وقت الأخذ. 
  • الاستجرار المنظم باتفاق المشتري مع البائع على أن يدفع إليه مبلغاً من النقود على سبيل الأمانة يقتطع منها ثمن مشترياته المتتابعة بسعرها المعلوم وقت أخذها؛ فهذا بيع صحيح، المبيع فيه معلوم والثمن معلوم، وهو ينعقد بالمعاطاة لا بمجرد نية المشتري ولا بمجرد دفع النقود إلى البائع.
  • الاستجرار المنظم معجَّل الثمن بأن يدفع المشتري إلى البائع مبلغاً من النقود ثمناً معلوماً لمبيع متعين موجود عنده، على أن يقبضه المشتري تباعاً؛ وهذا بيع صحيح، لا يضره تفريق آجال قبض المبيع.
  • الاستجرار المنظم معجَّل الثمن بأن يدفع المشتري إلى البائع مبلغاً من النقود ثمناً لمبيع في ذمته كمن دفع دراهم إلى الخباز فقال اشتريت منك مائة من خبز وجعل يأخذ كل يوم خمسة أمناء (جمع مَنِّ وهو وحدة وزن)، وهذا بيع فاسد عند الحنفية لأنه اشترى مبيعاً غير مشار إليه فكان المبيع مجهولاً.
  • الاستجرار المرسل وهو أكثر الصور أهمية وعملية؛ بأن يلتمس المشتري طلبه مراراً من البائع من غير تعرض للثمن، والبيع على هذا النحو أجازه الحنفية والغزالي من الشافعية (نهاية المحتاج، 3: 375)، والحنابلة في رواية اختارها ابن تيمية وتقدم نقلها، ومستند المجيزين انعقاده معاطاة بالسعر الذي يتبايع به الناس استحساناً وعرفاً، أو على رضا المشتري بتخبير البائع. وأبطله المالكية وجمهور الشافعية، ومن نصر الرواية الأخرى للحنابلة، ومستندهم كون المبيع قد غدا معدوماً، لأن البيع لا ينعقد صحيحاً بقبض المبيع مجهول الثمن؛ إنما ينعقد بالتحاسب وتسديد الثمن وعندها يكون المبيع قد استهلك وانعدم.

 

الدعوة إلى الاستجرار في المصارف الإسلامية

إن المشكلة لا تكمن في بيع الاستجرار بذاته فهو بيع استوفى المتقدمون بحث صوره وأحكامه، وهو بيع لم يستغن المجتمع الإسلامي عنه عملياً، لكن المشكلة تكمن في الدعوة إلى اعتماده منهجاً تمويلياً في المصارف الإسلامية؛ فقد عرض الشيخ القره داغي في بحثه عن الاستجرار على موقعه الشخصي على الشبكة العالمية آليات تطبيق صور متعددة من الاستجرار لخصتها ورتبتها بتصرف في الآتي:

  • يوكل المصرفُ العميلَ في شراء السلعة التي يرغب فيها (العميل نفسه) من المجهز معاطاة، فيقبضها العميلُ نيابة عن المصرف، ثم يبيعها العميلُ/ وكيلُ المصرف لنفسه مرابحة وكالة عن المصرف بالشروط التي اتفقا عليها. قال القره داغي: "وشراء الوكيل لنفسه جائز عند مالك والأوزاعي وأحمد في رواية، وذلك بأن يقول: "بعت وكالة عن البنك البضاعة لنفسي بمبلغ كذا، وقبلتها"، أو أن يقوم مندوب من المصرف بإعادة بيع السلعة مرابحة للعميل (السلعة التي سبق أن قبضها العميل)!!، ولا أدري لم تخلفت المصارف الإسلامية عن الأخذ بهذا السياق (الأكفأ: المتقدم إجرائياً) في بيوع المرابحة وتخففت من القبض وتكلفته!!.
  • يشتري المصرف السلعة (معلومة السعر ومحددة الكمية) التي يرغب العميل في شرائها من المجهز بناء على وعد منه، ويوكل المصرفُ العميلَ بقبضها لصالح المصرف أولاً، ثم بيعها لنفسه مرابحة بالشروط التي قررها المصرف، وذلك بأن يقول العميل: "بعت وكالة عن البنك البضاعة لنفسي بمبلغ كذا، وقبلتها". أو أن المصرف يوكل المجهزَ ببيع السلعة، التي سبق أن سلمّها للعميل، مرابحة لصالح المصرف!!.
  • يضع المصرف مبلغاً من النقود عند المجهز وديعة أو قرضاً حسناً، والمصرف يوكل العميل على شراء السلعة لصالح المصرف، فيستوفي البائع في كل مرة ثمنها من المبلغ الذي معه، ثم يقوم العميل ببيع السلعة لنفسه مرابحة بالشروط التي قررها المصرف، أو يقوم مندوب من المصرف ببيعها له.
  • يشتري المصرف السلعة من المجهز بثمن يتفقان عليه، ويتركها عنده، ويتوكل المجهز على بيع أي مقدار يطلبه العميل منها مرابحة بالسعر الذي حدده المصرف.
  • يشتري المصرف السلعة سلماً من المجهز ويسلمه ثمنها، ويوكله بيعها مرابحة للعميل كلما طلب قدراً منها.

 

هذا هو منتهى السؤل الذي خلصت إليه الهندسة المالية الإسلامية في التعامل مع البيوع والعقود؛ المهم أن تفضي إلى تمليك الممول، دراهم أكثر مما دفع!!، جاء في حاشية الدسوقي (4: 143) في وصف أهل العينة:

"وأهل العينة قوم نصبوا أنفسهم لطلب شراء السلع منهم وليست عندهم فيذهبون إلى التجار فيشترونها منهم ليبيعوها لمن طلبها منهم؛ فهي بيع من طلبت منه سلعة قبل ملكه إياها لطالبها بعد شرائها. سميت بذلك (بيع العينة) لاستعانة البائع بالمشتري على تحصيل مقصده من دفع قليل ليأخذ كثيراً".

 

ترى أيستطيع الممول أن يتحلل من هذا النعت والتوصيف مع هذه الرياضة الفقهية التي لا تزيد الناس في التمويل الإسلامي ومؤسساته إلا استخفافاً!!.

وسبحان ربك ربِ العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

أ. د. عبدالجبار السبهاني

Al-Sabhany.com

للترجمة وإعادة النشر تلزم الإشارة إلى المصدر