Al-Sabhany

بيع الوفاء والدعوة إلى تطبيقه في المصارف الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: بيع الوفاء هو بيع بشرط التراد؛ ففيه يشترط البائع على المشتري أنه متى ردَّ البائع الثمن ردَّ المشتري إليه المبيع (المجلة، المادة 118)، ووجه تسميته بيع الوفاء لأن المشتري يلتزم برد المبيع عند رد الثمن ولا يمتنع عن ذلك (ابن عابدين، 5: 276)، أو لأن الأصل فيه هو القرض والمبيع وثيقة؛ فمتى رد البائع الثمن (وفىّ القرض) استردّ المبيع. ولأن المقصد التوثيقي واضح في هذه المعاملة، اعتبرها البعض رهناً لا بيع، نقل عن فتاوى النسفي ما نصه:

 

"البيع الذي تعارفه أهل زماننا احتيالاً للربا، وسموه بيع الوفاء هو رهن في الحقيقة لا يملكه المشتري ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه، وهو ضامن لما أكل من ثمره، وأتلف من شجره، ...، وللبائع استرداده إذا قضى دينه، لا فرق عندنا بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام"؛ فبيع الوفاء يوافق الرهن من حيث توثيقه الدين وعدم تملك المشتري للمبيع فلا يستطيع أن يبيعه أو أن يهبه، ويكون عليه ضمانه كضمان المرهون، ويفترق عنه عملياً في أنه يتيح للمشتري استغلال المبيع والانتفاع به مدة بقائه في عهدته.

 

ولهذا البيع أسماء متعددة تعكس شيئاً من طبيعته وتلقي أضواءً كاشفة على حقيقته، وقد عرض الحنفية أسماء كثيرة منها تسميته ببيع المعاملة وبيع الاستغلال ووجهه أن المعاملة ربح الدين وهذا يشتريه الدائن لينتفع به مقابل دينه، فهو عقد يتيح (للدائن/ المشتري) استغلال العين والانتفاع بها.

 

ومنها تسميته ببيع الطاعة ووجهه أن الدائن يأمر المدين ببيعه العين بالدين الذي له عليه (على المدين) ويتعهد له بردها متى وفىّ (الدين/ سدد الثمن) فيطيعه المدين في ذلك، وهذا وجه يسند من عد هذا البيع من بيوع المكره. ومن أسمائه عند المالكية بيع الشرط وبيع المُعاد لمكانة شرط التراد فيه، والشافعية يسمونه بيع العهدة وبيع الإطاعة والحنابلة يسمونه بيع الأمانة (الغدران، ص14)؛ فكأن المبيع مستودع في عهدة المشتري أو أمانة عنده، وقد عرف هذا البيع في بخارى وبلخ في القرن الخامس الهجري، وهو محل اختلاف بين الفقهاء.

 

حكم بيع الوفاء

انقسم الفقهاء بصدد مشروعية بيع الوفاء إلى فريقين رأى الفريق الأول منهما إجازة هذا البيع استحساناً لحاجة الناس ولما اعتقدوه فراراً من الربا، جاء في المجلة (المادة 118) بصدد هذا البيع أنه في حكم البيع الجائز بالنظر إلى انتفاع المشتري بالمبيع، وهو في حكم البيع الفاسد بالنظر إلى قدرة العاقدين على الفسخ، وهو في حكم الرهن بالنظر إلى أن المشتري لا يستطيع البيع إلى الغير.

 

وكلام المجلة هذا كلام تقريري أكدت به رأي الزيلعي وابن نجيم حول العقد المركب الذي يأخذ أحكاماً متعددة كالزرافة فيها صفة البعير والبقر والنمر جوّز لحاجة الناس إليه (البحر الرائق، 6: 9/ ابن عابدين، 5: 277).

كما أجاز فريق من المالكية هذا البيع إذا تبرع المشتري برد المبيع بعد إبرام العقد بلا إلزام أو تواطؤ وإلا فالأصل عندهم منعه (بلغة السالك، 3: 65/ الدسوقي، 3: 71)، وفي هذا دليل آخر على عدم جواز المواعدة وعدم لزوم الوعد عند المالكية في المعاوضات.

 

وذهب الفريق الثاني وفيه أكثر الحنفية وعموم المالكية والشافعية والحنابلة (الفتاوى الفقهية الكبرى، 2: 157/ كشاف القناع، 3: 149) إلى منع هذا البيع، ومستندهم في ذلك أن فيه شرطاً مناقضاً لمقتضاه، وأن فيه غرر التردد بين سلف جر نفعاً في حال التراد وكونه بيعاً لازماً في حال استقرار العوضين في أيديهما، وأنه حيلة إلى الربا لأنه قرض بعوض.

وبمنع هذا البيع جاء قرار مجمع الفقه الإسلامي في مؤتمره السابع 1412هـ 1992م: "إن حقيقة هذا البيع قرض جر نفعاً فهو تحايل على الربا وبعدم صحته قال جمهور العلماء" (مجلة المجمع، 3: 557).

 

ومع وضوح موقف المانعين من بيع الوفاء وقوة أدلتهم؛ فقد اقترحت صيغة معدلة لبيع الوفاء بعنوان: "الشراء مع الوعد بالرد" (الغدران، ص169)، أعتقد الباحث أنها تسلم من الحكم بمنعها، بالتحول عن الشرط الذي هو دعامة بيع الوفاء إلى الوعد (الملزم طبعاً) اللاحق لموعد إبرامه؛ فكأنه أخذ برأي المالكية حول التسامح في هذا البيع إذا تبرع المشتري فوعد بالرد.

 

والسؤال كيف يدخل العميل في عقد يبيع فيه داراً أو عقاراً بثمن يقل عن ثمن السوق على مجرد أمل في وعد في الرد غير مشروط في العقد؟!.

فإن قيل: يشرط له ذلك عرفاً، قلنا صار له حكم المشروط عقداً ورجعنا إلى الدائرة ذاتها، بل واقتضى الأمر أن نقول بالإلزام بالوعد، وعندئذ نتساءل ما فرق الوعد الملزم عن الشرط؟ بل ما فرقه عن العقد أصلاً؟!.

 

وتتمة لما تقدم اقترح الباحث أن يكون الخيار في هذا المعاملة لأحد العاقدين لا لكليهما؛ فكأنه استحضر تمييز قرار مجمع الفقه بين الوعد الملزم والمواعدة الملزمة، وأقرن ذلك بضوابط كثيرة منها: أن يكون المبيع مما يمكن الانتفاع منه مع بقاء عينه، ومنها أن للمشتري (المصرف) الحق في بيع المبيع إلى مشتر يلتزم بوعد الرد، أي أن المشتري الجديد يشتري المبيع مثقلاً بوعد ملزم بالرد إلى مالكها الأول!!.

 

ومع إيراد ضوابط أخرى تحرزية أخرى، اعتقد الباحث أن المصارف الإسلامية يمكنها أن تعتمد هذه الصيغة المعدّلة في تقديم التمويل لطالبيه ممن يملكون أعياناً يبيعونها للمصرف بيع وفاء؛ فتحقق المصارف من ذلك العائد المأمول من استغلال العين، وتحقق الضمان المطلوب بانتقال ملكها إلى المصرف وبسعر يقل ولابد عن سعر السوق. الأمر الذي لم نستطع قبوله ولم نسلّم للباحث فيه، خاصة وأن التجربة التاريخية قد أسفرت عن آثار مريعة إذ اتخذ بيع الوفاء هذا ستاراً لرهن حيازي في مداينات مفضية ولا بد إلى نزع الملكية بأبخس الأثمان، وهو ما جعل القانون المدني المصري (المادة 465) ومثله قوانين عربية أخرى، يقطع ببطلانه (السنهوري، الوسيط، 4: 144). وأعتقد جازماً أن بيع الوفاء حتى في صيغته المعدلة لن يكون سوى نفق جديد للمداينات تتراءى فيه أشباح الربا والغصب والمنازعات!!.

وسبحان ربك ربِّ العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

أ. د. عبدالجبار السبهاني

Al-Sabhany.com

للترجمة وإعادة النشر تلزم الإشارة إلى المصدر