الوقف الخيري ودوره التمويلي

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: الوقف الخيري فصل آخر من فصول الحضارة الإسلامية المشرقة، والوقف أو الحبس: اصطلاح يشير إلى التصرف الذي بموجبه يتنازل المالك عن ماله أو منفعة ماله طاعة وقربة، ليعمم هذه المنفعة على المجتمع أو شريحة منه، ومن هنا كان تعريف الوقف الذي لقي قبولاً واسعاً عند الباحثين: تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة.

 

كما ينصرف المصطلح إلى المال ذاته؛ فالوقف بهذا المعنى مال تنازل مالكه عن منافعه لصالح المجتمع أو شريحة منه، والوقف والحبس مترادفان ولهما الدلالة ذاتها، على أن المفهوم المتقدم للوقف يخص الوقف الخيري الذي ينشأ بإرادة الواقف ولا يشمل وقف الشارع ووقف السياسة الشرعية (لمزيد من التأصيل والتفصيل، أنظر: دور الوقف في التنمية المستدامة).

 

وإذاً فالوقف الخيري يكون بإرادة منفردة يعقدها (المواطن) على نفسه تقرباً إلى الله تعالى وإحساناً إلى خلقه، وهذا الوقف ضرب من ضروب الطاعات التي ندب إليها الشارع الحكيم وحبب فيها إجمالاً فهو مما يندرج تحت عموم الإنفاق المحمود الذي يرتجى ثوابه، أما خصوصيته فتتمثل في كونه: (صدقة جارية) تدوم بدوام الأصل المنتج للمنفعة المتصدق بها، وهذه الصورة من الوقف هي التي تواضع الفقهاء على تعريفها بـحبس العين وتسبيل الثمرة أو المنفعة.

 

والأصل في الوقف حرية الواقف وتسلطه شرعاً على المال الذي يملكه، هذه الحرية التي تجيز له كل التصرفات المباحة فضلاً عن المندوبة ومنها الوقف، وفي هذا السياق كان توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا عمر رضي الله عنه عندما أراد أن يتقرب بمال أثير أصابه: "إن شئتَ حبست أصلها وتصدّقت بها"، وهو توجيه يؤصل لأحكام الوقف الخيري بالجملة.

 

وقد نسب البعض إلى أبي حنيفة رحمه الله تعالى عدم جواز الوقف، وهو ما نبه السرخسي إلى الوهم فيه بقوله: "وظنَّ بعض أصحابنا رحمهم الله تعالى أنه غير جائز على قول أبي حنيفة وإليه يشير في ظاهر الرواية فنقول: أما أبو حنيفة رحمه الله فكان لا يجيز ذلك، ومراده أن لا يجعله لازماً فأما أصل الجواز (فـ) ثابت عنده؛ لأنه يجعل الواقف حابساً للعين على ملكه (ملك الواقف) صارفاً للمنفعة إلى الجهة التي سماها فيكون بمنزلة العارية والعارية جائزة غير لازمة"، وهذا هو التوجيه الصحيح لكلامه فهو لا يقول بخروج الملك عن المالك بمجرد الوقف.

 

منجزات الوقف الإسلامي

وفي السطور التالية سنتبين ما الذي قدمه الوقف الخيري للمجتمع الإسلامي، وكيف أسهم في تمويل احتياجاته المختلفة، كما يظهر من الاستقراء التاريخي واستقراء الموروث الفقهي كذلك؛ إذ نهض الوقف بتمويل جزء كبير من العرض العام الذي تمُسُّ حاجة المجتمع إليه، ولعل من أوضح المجالات التي برز فيها دور الوقف الخيري وتحدث فيها الفقهاء هي ما يلي:

  • تمويل بناء المساجد والزوايا والربط والمقابر، وتمويل الإنفاق الجاري عليها: مرتبات القائمين عليها ونفقات الإنارة والنظافة والفرش والتجهيز والترميم.
  • تمويل بناء المدارس والكتاتيب ودور العلم، وتمويل الإنفاق الجاري عليها مثل: رواتب المدرسين والقائمين على خدمتها ونفقات إسكان الطلبة وجرايات إعاشتهم وكسوتهم ونفقات تجهيزها بالقرطاسية، وأصل هذا البر الدعوة إلى العلم والتعلم والرحلة في طلبه والبذل في تيسيره.
  • تمويل نفقات استنباط العيون وتمديدات الماء خاصة في المشاعر المقدسة وداخل المدن، وبناء الاستراحات في الطرق الخارجية سيما طرق الحجيج، وقد دشنت دعوة النبي e وتحريضه على وقف بئر (رومة) وتعميم نفعها، جهدا لم ينقطع في التاريخ الإسلامي.
  • تمويل بناء المشافي (البيمارستانات) وتمويل إنفاقها الجاري مثل: إعاشة المرضى وكسوتهم فضلاً عن معالجتهم والإنفاق على تمريضهم وإجراء رواتب المنشدين الذين يرفهون عنهم!!.
  • تمويل القرض الحسن بوقف النقود فيما يمكن تسميته بـ(بنوك التسليف الوقفية) تفريجا لكرب المحتاجين، وهو مقصد رغّب الشارع فيه، وفي وقف النقود استجابة لتطور المجتمع المسلم صنّف متأخرو الحنفية التصانيف، وقد نقل النووي عن الإمام الشافعي جواز وقف الدنانير والدراهم، وفي وقف النقود جاء في متن العاصمية للمالكية: الحبس في الأصول جائز ... وفي منوع العين بقصد السلف
  • تمويل التسليف العيني فيما يمكن تسميته بـ(بنوك البذور) لمن لا يجدها من المزارعين وهي قضية لم يغب عن الاجتهاد الفقهي النظر فيها.
  • تمويل بناء المياتم ودور العجزة والأرامل؛ فكافل اليتيم قرين النبي e في الجنة والسعي على الأرملة والمسكين قربة من أبر القربات.
  • تمويل بناء الربط وتجهيزها استجابة لأمر الله تعالى جهادا بالمال وإعدادا للقوة، وقد عرف النبي e لسيدنا خالد فضله في هذا السياق، ففي الحديث المتفق عليه: "وأما خالد فقد أحتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله"، وقد رغّب النبي e في ربط الخيل وفي احتباسها في سبيل الله تحقيقا للغرض ذاته.
  • تمويل مرافق الضيافة للغرباء وقرى أبناء السبيل وتمويل المّبرات والموائد الرمضانية.
  • تمويل مرافق الخدمة الاجتماعية؛ فبيوت إصلاح ذات البين التي تستقبل المتخاصمين من الأزواج، وبيوت المطلقات والمهجورات، وبيوت العميان، كل ذلك مؤسسات اجتماعية أنشأت بمبادرات خيرية فردية، ومثلها أوقاف الرفق بالخدم فقد عرف المجتمع المسلم بنكا عجيبا هو بنك (الآنية المكسورة) الذي تخصص بإبدال الآنية التي تكسر في أيدي الخدم دفعا للملامة ورفعا للحرج عنهم!!.
  • أوقاف مرصدة لتحرير الأسرى ولعتق الرقيق، وهو وجهه للبر تأكدت أصوله التشريعية بمباني الإسلام التشريعية ومنظومته القيمية.
  • أوقاف تحسينية اهتمت بها (بنوك الحلي)؛ فقد روي أن أم المؤمنين حفصة رضي الله تعالى عنها ابتاعت حليا وحبستها على نساء آل الخطاب، وقد تقرر فقها صحة وقف الذهب والفضة لأجل اللبس والعارية.
  • أوقاف ترفيهية مثل الحدائق العامة والبرك والمتنزهات التي يتاح لعموم الناس الاسترواح بها.
  • أوقاف الرفق بالحيوان، ومن ذلك أوقاف للخيول المُسِّنة، وأوقاف للطيور خاصة طيور الحرم؛ ففي كل ذي كبد رطبة أجر، وإكرام الصحبة والجوار من كرم السجايا.
  • استطاعت مؤسسة الوقف بصبغتها الدينية الموقرة، وبالتوثيق القضائي لملكيات الأوقاف والحجج الوقفية أن تحصّن الأموال العامة وتحافظ عليها بوجه الأطماع والتجاوزات في أحكم عملية توثيق عرفها الاجتماع الإنساني.

 

ومما تقدم يتضح أن الوقف الخيري هجوم اختياري وانتقائي على الفقر وجيوب العجز في العرض العام اللازم للرفاهية، يتلخص هذا الهجوم في تشخيص موطن القصور أولاً، ومن ثم في رصد التمويل وتشكيل الإطار المؤسسي اللازم لاستدراكه تالياً؛ فالوقف بهذا المعنى مرصد اجتماعي يشخّص مواطن الخلل في إشباع الحاجات العامة أو الخاصة من جهة، ثم هو بعد ذلك آلية تسعى لاستدراكها رفقاً وشفقةً بالموقوف عليهم، وقربة واحتساباً عند ربهم.

 

وما تقدم يعكس المدى الرفيع الذي وصل إليه نبل الحس الإسلامي الذي أخرج الإنسان من سجن أنانيته إلى آفاق الإيثار الرحيبة التي ميزت الاجتماع الإنساني الذي يستجيب لهدي الله تعالى في تنظيم معاشه ومعاده.

وسبحان ربك ربّ العزّة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

أ. د. عبدالجبار السبهاني

Al-Sabhany.com

للترجمة وإعادة النشر تلزم الإشارة إلى المصدر