الاقتصاد الإسلامي: الإنتاج

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: إن الطيبات التي تشبع الحاجات الإنسانية ليست متاحة في الطبيعة غالباً، إنما تستلزم تدخل الإنسان للتأثير في الطبيعة ومعطياتها بهدف إعدادها، ونشاط الإنسان الواعي والهادف إلى استيلاد الطيبات والحصول على وسائل الإشباع من الموارد المتاحة هو ما نسميه بالإنتاج Production.

 

وفي مجال الإنتاج يمكننا أن نواجه طوائف من الأحكام الشرعية التي توجه هذا النشاط بما يؤمن تحقيق الكفاءة الاقتصادية: الإنتاجية والتخصيصية، وفيما يلي استعراض لأبرز تلك الأحكام :

 

أولاً: وجوب تعبئة الموارد للنشاط الاقتصادي 

يحث الإسلام على تثوير الموارد البشرية وتجهيزها للفعالية الاقتصادية، فالإسلام يمجّد العمل وينهى عن التعطل وفي ذلك يقول تعالى موجهاً إلى الاكتساب: "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور" (الملك، 15) ويقول أيضاً: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله" (الجمعة، 9).

 

وقد أكدت السنة القولية التوجه ذاته وفصلته؛ فعلى سبيل التمثيل نذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن أطيب الكسب فأجاب: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور"، وقوله صلى الله عيه وسلم: "ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده"، وقولهِ صلى الله عيه وسلم: "إن الله يحب العبد المؤمن المحترف".

 

وقد عمل النبي صلى الله عيه وسلم بالرعي أجيراً، واشتغل بالتجارة وشارك في بناء المسجد، وساهم في حفر الخندق، وزرع النخيل بيده الشريفة في المدينة، وما ترفع عن عمل ولم يرض أن يكفيه أحد شأناً من شؤونه كما أكدت ذلك السيرة النبوية الشريفة.

ومن سنته صلى الله عيه وسلم أن لا يعطي الزكاة للقادر على العمل لان الأصل أن يكسب المرء كفايته بالعمل؛ فقرر أن الزكاة: "لا تحل لغني ولا لقوي مكتسب"، وقد أضفى صلى الله عيه وسلم على الكسب صفة تعبدية إذْ أوضح إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها إلى الهم في طلب الرزق، وذكر له زاهد ينصرف إلى العبادة فسأل صلى الله عيه وسلم من يكفيه فقيل أخوه قال: "أخوه أعبد منه".

إن قدراً من الكسب يؤمِّن كفاية الإنسان وكفاية من يكلف بإعالته هو من الواجبات الشرعية لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

 

أما بصدد الموارد الطبيعية وعلى رأسها الأرض فالإسلام يؤكد وجوب توظيفها لتأمين كفاية المجتمع من ناتجها، يتضح ذلك مما يأتي:

• أحكام الإحياء التي تحفز الناس لاستصلاح الأرض وذلك بتمليك الأرض الموات لمن يحيها قال صلى الله عيه وسلم : "من أحيا أرضاً ميتة فهي له".

• أحكام الاستزراع التي تحث على زراعة الأرض أو استزراعها، قال صلى الله عيه وسلم : "من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرِعها أخاه ".

• أحكام منع الاحتجاز وذلك بمصادرة حق من يحتجز الأرض سواء كان أحياها أو اقتطعها: "وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين". وقد طبق سيدنا عمر رضي الله عنه هذا المبدأ مع بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه واسترجع منه ما جاوز قدرته على الاستغلال قائلاً: "إن رسول الله صلى الله عيه وسلم لم يقطعك لتحجزه عن الناس، إنما أقطعك لتعمل، فخذ ما قدرت على عمارته ورد الباقي".

• أحكام التعدين التي تؤمن استغلالاً عادلاً للثروات المعدنية، فقد رتبت الشريعة حقوقاً لمن يستغلها تتناسب مع جهده ونفقته، يقول الإمام الشافعي: "ما كان فيه منفعة بلا نفقة على من حماه فليس له أن يحميه ومثل ذلك كل عين ظاهر كنفط أو قار أو كبريت".

• أحكام المياه التي توجب بذل فضلها للغير، وتوجب حق إمرارها في الملك الخاص لصالح الغير حتى لا تتعطل أرضه.

 

وبصدد الموارد المالية وردت أحكام تدفع نحو استغلالها وتثميرها ومن ذلك:

1. أحكام تنهى عن الاكتناز، وهو حبس النقد وعدم إخراج زكاته. إن الاكتناز يتسبب في وأد الإنتاج فنقص وسائل الشراء في محيط التداول جراء الاكتناز ينقص الطلب وبالتالي يدفع نحو البطالة، والمكتنز إذاً مضار للمجتمع ومتعسف في استخدام حقه لأنه يحرم المجتمع من وظيفة النقود الاجتماعية، وتحريم الاكتناز يرفع من مستوى الطلب ومن ثم يرفع مستوى النشاط الاقتصادي.

2. أحكام تحرم الربا وهي بذلك تعفى الناتج الاجتماعي من عنصر من عناصر التكلفة التي لا يقر لها الإسلام بالمشروعية.

3. أحكام توجب الزكاة بشروطها على الأصول النقدية بنسبة 2.5%، وهذا يمثل حافزاً للأفراد لاستثمار أموالهم حتى يدفعوا الزكاة من نماء المال لا من أصله، وقد كان هذا المعنى واضحاً في التوجيه النبوي لكافل اليتيم بقوله صلى الله عيه وسلم : " ألا من ولي يتيماً له مال فليتجر بماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة".

إن تعبئة الموارد البشرية والطبيعية والمالية للفعالية الاقتصادية يعني الارتقاء بكمية الناتج من السلع والخدمات لان الإنتاج كما هو معلوم دالة لمدخلاته، وبعبارة أخرى فإن إقامة هذه الأحكام تجعل الاقتصاد الإسلامي يتحرك على منحني إمكانية الإنتاج بلا أدنى هدر أو تعطيل للموارد وذلك شرط الكفاءة الإنتاجية.

 

ثانياً: وجوب تخصيص الموارد بحسب الحاجات الفعلية للمجتمع

إن إقامة الأحكام والتوجيهات السابقة تعني تجهيز كافة الموارد المتاحة وتهيئتها للإنتاج، لكن السؤال الذي تنبغي الإجابة عليه هو ماذا تنتج؟ ولمن ننتج؟. ولا شك أن الإجابة تتضمن حكماً أخلاقياً، إن اقتصاد السوق قد أعفى نفسه من هذه الإجابة وتحلل من العنصر الحكمي والأخلاقي وجعل الإنتاج محكوماً بالطلب الفعّال الذي يمثل الاقتراع النقدي لمالكي وسائل الدفع على الموارد، فلو فرضنا أن هناك استخدامان بديلان لمادة أولية واحدة أولهما لإنتاج سلعة ضرورية يطلبها الفقراء والثاني يخص كماليات الأغنياء، فإنه لن يكون هناك معيار يرجح تخصيص هذه المادة لهذا الاستخدام أو ذاك سوى الربح المتوقع من إنتاج السلعتين، وحيث أن قوى الشراء بجانب الأغنياء فإن منافسة كهذه على استخدام الموارد النادرة تحسم بالتأكيد لصالح الطلب الفعال، وهذا هو حال الإنتاج في اقتصاد السوق.

 

أما بالنسبة لاقتصاد إسلامي فإن الإنتاج وتخصيص الموارد يرتبط بالحاجة الحقيقية للمجتمع، إن أساس هذا القول من الناحية النظرية هو كون الحقوق معللة بالمصالح وأن المصالح هذه مرتبة وفق سلم أولويات كما تقضي القواعد الأصولية، "... فلا يراعى تحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بحاجي ولا يراعى حاجي إذا كان في مراعاته إخلال بضروري". وهذا يعني وحدة دالة الرفاهية الاجتماعية.

 

ومن الناحية الموضوعية فإن شرط تحقيق هذه الميزة متوفر في اقتصاد إسلامي فعلى حين لا يكون منطقياً أن نطلب من المشروع الفردي أن ينتج متغاضياً عن ميعار الربح، فإن وجود شكل الاستخلاف العام وعلى نطاق موسع يعطي للاقتصاد القدرة على تجاوز معيار الربح الفردي إلى الربحية الاجتماعية ويضع أساساً راسخاً للاستثمارات في الخدمات العامة، ومن ناحية أخرى فإن عدالة توزيع الدخل والثروة وآليات ذلك تمنع احتكار الأغنياء لموارد المجتمع حينما تضع بيد الفقراء وسائل الدفع التي تعزز تفضيلاتهم.

 

فالإنتاج إذاً في اقتصاد إسلامي محكوم بإشباع الحاجة الحقيقية للمجتمع وليس بالربح، ولذلك فهو موافق للتفضيل الاجتماعي، وهذا مبرر قولنا أن ضوابط الاستخلاف تؤمن الكفاءة الاقتصادية.

 

ثالثاً: ترشيد استخدام الموارد وتوكيد الرقابة النوعية على الإنتاج

إن الإسلام بمبانيه التشريعية ومنظومته القيمية يؤكد:

• وجوب استخدام الموارد بحدود الوظيفة التي تؤديها، وما خرج عن ذلك فهو سفه منهي عنه سواء أكان ذلك من الفرد أو المجتمع. وقد أمر النبي صلى الله عيه وسلم بترشيد استخدام الماء ولو كان المرء على نهر جار، أي ولو كان الفرد لا يتحمل أي تكلفة خاصة ولا يخشى نفاداً في المورد، فكيف بالموارد الاقتصادية الأخرى؟!. إنه الحس الإسلامي المسئول إزاء الموارد بأوضح صورة سواء على صعيد الحسابات الخاصة أم الاجتماعية.

 

• وجوب إتقان العمل فقد امتدح الله سبحانه ذاته العلية بقوله:"الذي أحسن كل شيء خلقه" (السجدة، 7)، وبقوله تعالى: "صنع الله الذي أتقن كل شيء" (النمل، 88). وأمر نبيه داود عليه السلام وهو يصنع الدروع ببلوغ الغاية وحسن التقدير: "أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحاً إني بما تعملون بصير" (سبأ، 11). والنبي صلى الله عيه وسلم يقول في بعض ما روي عنه: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"، ويقول صلى الله عيه وسلم أيضاً: "إن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل أن يحسن".

 

 

والخلاصة إن إقامة الأحكام السابقة توفر الفرصة لإنتاج أكبر، لأنها تجهز كل الموارد للنشاط الاقتصادي، ثم إنها تؤمن مطابقة الإنتاج للحاجات الحقيقية في المجتمع، وتلزم بتجويده والارتقاء بنوعيته، وهذه هي شروط الكفاءة الاقتصادية التي حرص الإسلام على توفيرها للإنتاج في مجتمعه.

وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

أ. د. عبدالجبار السبهاني

Al-Sabhany.com

للترجمة وإعادة النشر تلزم الإشارة إلى المصدر