خيارات البيوع وبيوع الخيارات ... جناس في الألفاظ وافتراق في المضمون

بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:  الخيار في البيع: يعني تخيير المتعاقد بين إمضاء البيع أو فسخه، وهذه المزية، مزية التخيير، قد تثبت لكلا المتعاقدين بنص الشرع مثل خيار المجلس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا"، ومثل الخيار الذي يثبت لمن اشترى المُصّراة: "... فإن رضيها أمسكها وإن سخطها أعادها وفي حلبتها صاع من تمر"، ومثل الخيار الذي يثبت للجالب الذي باع قبل أن يهبط السوق: "... فسيدها بالخيار إذا هبط السوق إن شاء أنفذ البيع وإن شاء فسخه".

 

وقد تثبت هذه المزية للمتعاقد بشرط يتراضى عليه العاقدان، وهذا الشرط ينشئ إرادياً، حقاً يثبت لأحدهما أو لكليهما، يخول مشترطه فسخ عقد البيع في مدة معلومة، هذا فيما يتعلق بخيارات البيوع.

أما بيوع الخيارات: فهي تراتيب إرادية شرطية محدثة تعطي حاملها (مشتريها) الحق (لا الالتزام) في شراء أو بيع كمية معلومة من مبيع معلوم: ورقة مالية أو سلعة أو مؤشر، خلال مدة محددة، أو في تاريخ محدد، بسعر تنفيذ يتم الاتفاق عليه مسبقاً مع متعاقد معلوم، وبموجب هذه التراتيب يكون متاحاً لصاحب حق الخيار، تنفيذ الصفقة أو عدم تنفيذها، ومقابل حصوله على هذه المزية: الاختيار بين الأمرين، فإنه يدفع لمن أعطاه إياها ثمنا معلوما غير قابل للرد هو ثمن الخيار.

 

وفيما يلي إيضاح بأهم عناصر الافتراق بين خيارات البيع وبيوع الخيارات، لعل ذلك يمّكن القارئ من الوصول إلى حكم سليم بصدد مشروعية التعامل ببيوع الخيارات التي كثيراً ما تلبست بخيارات البيع مستغلة هذا الجناس اللفظي.

• محل العقد:

محل العقد في البيوع مال قابل للمعاوضة، والخيار الذي يثبت في البيوع ليس محلاً للعقد قطعاً وإن اقترن به.

أما محل العقد في بيوع الخيارات فهو محلان: الأول هو الخيار ذاته، وهو محض إرادة مجردة في أن يبيع أو أن يشتري بوصف معلوم متفق عليه، والثاني هو: ورقة مالية أو مؤشر أو عملة.

• طبيعة الصفقة:

في البيوع هناك عقد واحد طرفاه بائع السلعة ومشتريها.

أما في بيوع الخيارات فهناك عقدان: الأول عقد بين بائع الخيار ومشتريه، والثاني عقد بين بائع الورقة ومشتريها.

• وظيفة الشرط:

مقاصد الشرط في البيوع، مقاصد يقتضيها العقد مثل: التروي ودفع الغرر والخديعة والتدليس.

أما مقاصد الشرط في بيوع الخيارات فهما مقصدان: الأول هو التحوط، لكنه تحوط أناني يرحِّل المخاطرة إلى الغير، أما المقصد الثاني الأكثر استهدافاً فهو تسويغ المقامرة على حركة الأسعار الفعلية وانحرافها عن الأسعار المتوقعة ليس غير.

• اللزوم:

عقود البيوع الأصل فيها اللزوم، وخيارات البيع تقيد عارض لهذا اللزوم.

أما بيوع الخيارات ففيها، أولاً: بيع الخيار ذاته، وهو عقد لازم لا خيار فيه، وثانياً: بيع آخر الأصل فيه التردد، وكما تؤكد الإحصاءات فإن 98% من عقود الخيارات لا تنفذ أبداً.

• متلازمة العقد وعدالته:

تحقق عقود البيوع المشروعة، التكافؤ والتلازم بين الحقوق التي تثبت لطرفي العقد والالتزامات التي تثبت عليهما على أساس الرضا القائم على العلم.

أما في بيوع الخيارات، فيفرّق بين الحق والالتزام؛ فتكون مزية الحق لأحد العاقدين ويكون عبء الالتزام على الآخر، وهي بذلك تحقق مكاسب طفيلية لثلة من المضاربين وصنَّاع السوق على حساب جمهور المتعاملين.

• الثمن:

خيارات البيوع لا ثمن لها وهي ترتبط بعقد البيع الأصلي وليس لها وجود مستقل عنه.

أما خيارات البيوع فتعامل على أنها عوض قائم بذاته له ثمن محدد، وهو قابل للتداول مستقلاً عن البيع الموهوم.

• التوقيت:

خيارات البيوع تواكب عقد البيع وتعطي المتعاقد الحق في أن يمضي أو يفسخ ما عقد عليه أصلاً.

أما خيارات البيوع فهي تسبق البيع المحتمل وتعطي المتعاقد الحق في أن ينشئ مستقبلاً عقداً أو أن يدع ما أنشأ، وهو عقد احتمالي مسبوق بعقد لا خيار فيه هو بيع الخيار.

• أطراف العقد:

في عقود البيوع طرفان: بائع السلعة ومشتريها، تربطهما علاقة مباشرة ومحددة.

أما في بيوع الخيارات فهناك أطراف متعددة ضمن منظومة عقدية غير مباشرة، وهذه الأطراف هي: 

1. بائع الخيار ومشتريه.

2. بائع الورقة ومشتريها.

3. السمسار.

4. وبيت المقاصة.

5. إدارة السوق.

• المآل:

خيارات البيوع تؤول إلى صلاح، لأنها ترسي العقود على روية ومعرفة تامة وإرادة مستقرة، وبذلك تنجز معاملات عادلة وتبادل حقيقي يرّوج الناتج ويوسع السوق وينشر الرفاهية.

أما بيوع الخيارات فتؤول إلى فساد، لأنها تجر مضاربات عبثية تتسبب في التضخم والأزمات، وبدلاً من إحراز التحوط الذي كثيراً ما تذرع به أنصارها أصبحت واحداً من أبرز أسباب الأزمات المالية. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

أ. د. عبدالجبار السبهاني

Al-Sabhany.com

للترجمة وإعادة النشر تلزم الإشارة إلى المصدر