الصيرفة الإسلامية: التصور البديل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد،،، استقر النظر الفقهي المعاصر، على تكيف المصرف "مضارباً مشتركاً" له مركز مزدوج؛ فهو عامل مضاربة تجاه أرباب المال وهو في الوقت نفسه "رب مال" إزاء عمال المضاربة، وقد مكّن هذا التوصيف والتكييف نظريا من أمرين:

 

الأول: هو تسويغ ضمان المصرف للودائع الاستثمارية. 

الثاني: هو تسويغ اشتراك المصرف في أرباح المضاربات التي يفوضها إلى الغير.

 

وقد كان فقه الحنفية في المضاربة هو نجعة المُنظِّرِين للصيرفة الإسلامية، فقد أفضت القراءة المعاصرة لهذا الفقه إلى:

• تبني الآراء التي تقول: بتضمين عامل المضاربة لا لتعدي أو تقصير، إنما لمجرد أنه يفوض المضاربة ولو كان ذلك بإذن رب المال وإقراره، وذلك حتى يكون ربحه مبرراً لأن الربح يستحق بالمال ويستحق بالعمل، وعامل المضاربة الأول ليس منه مال وليس منه عمل فلا مسوغ إذاً لإشراكه بالربح إلا بتضمينه، وهو منطق يعكس منطق الحديث: "الخراج بالضمان" ليكون الضمان بالخراج.

• ثم كان القياس على الأجير المشترك الذي نسب إلى الحنفية أيضاً إمكانية تضمينه ما يتلف بيده.

• ثم كان القياس على فكرة تقبيل العمل كمن استأجر من يخيط له ثوباً بدرهم فقّبله ذاك لمن ينجزه بنصف درهم واستحل النصف الآخر.

أما عملياً، فقد صار المصرف يضمن الودائع الاستثمارية من خلال إتاحة إمكانية سحبها للمودعين متى شاءوا بشرط تخليهم عن "الربح"، ومن خلال صندوق الاحتياطي الذي يمول من الاستقطاعات المتوالية من الأرباح، وبهذه الاحتياطات تُجبر الخسائر، وتُضمن تدفقات منتظمة من الأرباح توزع على المودعين.

 

وعملياً أيضا، استغنت جُلُ المصارف الإسلامية عن تفويض المضاربة وذلك باعتماد بيوع المرابحة للآمر بالشراء مع الوعد الذي غالباً ما كان ملزماً.

 

وبالعودة إلى الناحية النظرية، نجد إن التصور السابق قد ابتعد كثيراً عن أحكام المضاربة التي استقرت في مدارس الفقه المختلفة سواء فيما يتعلق بضمان رأس مال المضاربة أم باشتراك عامل المضاربة الذي يفوضها بالربح، وبعيداً عن منطق التخطئة والتصويب، وبعيداً عن منطق التلفيق الفقهي أيضا، أرى والله أعلم أن المصرفية الإسلامية المعاصرة تستطيع أن تزاول نشاطها ملتزمة بأحكام فقه المضاربة، بل وبما هو متفق عليه من إحكام فقه المضاربة في المدارس الفقهية الأم.

 

المصرف الإسلامي الافتراضي

دعنا نتأمل هذا المصرف الإسلامي الافتراضي، وفيه ثلاثة مسارات للنشاط الاستثماري:

المسار الأول:

يُعنى هذا المسار باستثمار أموال المصرف الخاصة والأموال التي يضمنها المصرف، أي الحسابات الجارية التي يرغب في استثمارها، فهذه الأموال يستطيع المصرف أن يدفعها إلى من يضارب بها، ويكون هو رب مال حقيقي وعامل المضاربة هو عامل مضاربة فعلي، والربح بينهما بحسب ما يتفقان عليه، وهذه صورة المضاربة الفقهية المجمع على جوازها، وهذه الصيغة تحفز المصرف ليُحسِّن اختيار مضاربيه واختيار مجالات الاستثمار التي ينشطون فيها وتستنهض قوامته حرصاً على أمواله والأموال التي يضمنها.

 

المسار الثاني:

ويُعنى هذا المسار باستثمار أموال المودعين (أصحاب الودائع الاستثمارية)، والمصرف هنا يكون هو عامل المضاربة حقيقة لا يفوضها إلى الغير، إنما يجتهد في استثمار هذه الأموال وله نسبة شائعة معلومة من الربح حال ظهوره ولا يضمن هذه الأموال البتة، وستكون ثقة الجمهور بكفاءته هي ضمانتهم الوحيدة، وسيكون ذلك حافزاً أيضا يدفع المصرف صُعُداً في مدارج الكفاءة.

 

ويمكن للمصرف أن يبوِّب حُزمَه الاستثمارية بحسب الآجال: قصيرة ومتوسطة وطويلة، أو بحسب مجال النشاط، والمودع (المستثمر) يختار الحزمة الاستثمارية التي يريد ويلتزم بنتائجها، ولا يحق له سحب ماله إلا بالتنضيض الفعلي، وبذلك يكون عزو الربح ممكناً على وجه الحقيقة، ويكون تباين هذه الأرباح في الحزم الاستثمارية مسوَّغاً باختلاف درجات المخاطرة واختلاف آجال الاستثمار.

 

وبذلك نستطيع أن نتجنب المآل الذي آلت إليه محاسبة الأرباح وما فيها من مشاكلة لمحاسبة الفوائد في المصارف التقليدية؛ إذ لا تعود هناك أي اعتبارات عملية تحدد نصيب الوديعة من الربح إلا حجم هذه الوديعة والمدة التي تقضيها في المصرف!!.

 

وهنا يمكن لآلية التسهيم أو التصكيك: إصدار الأسهم وتداولها وفق الضوابط الشرعية أن تُسّهل عمل المصرف الإسلامي في حشد المستثمرين (الممولين)، وفي إدارة المشاركة ومحاسبتها على أسس واقعية.

 

المسار الثالث:

وفي هذا القسم يكون نشاط المصرف محصوراً بتعريف أصحاب الودائع الاستثمارية بعمال المضاربة، ويُعنى أيضا بمسك حساباتهم وإنجاز دراسات الجدوى التي يكلفوه بها، وأي خدمات أخرى يطلبونها مقابل أجور مضمونة لا علاقة لها بالمخاطرة أو بالضمان.

 

وهكذا يكون المصرف في القسم الأول رب مال حقيقة وفي القسم الثاني عامل مضاربة حقيقة، وفي القسم الثالث أجيراً مشتركاً حقيقة. وبهذا أيضاً يتحول المصرف إلى آلية مفرِّخة للاستثمار الحقيقي وحاضنة له، وبذلك أيضاً تتحقق رسالته وأهدافه الخاصة والعامة.

 

إن المصارف الإسلامية التي اعتقدت، أو هكذا القي في روعها، أنها اكتشفت التوليفة الذهبية لمنظومة عقودها: (المضارب المشترك تجاه الممولين، والتاجر المرابح مع المتمولين)، قد بدأت تتحسس سذاجة هذا التكييف، وبدت أكثر جدية في إعادة النظر في منظومتها العقدية تلك، وأدعو الله تعالى أن يفتح عليها بمقاربة موفقة لهذا التصور وترجمته العملية، ففي تقديري أن التصور البديل يتيح:

 

1. إعادة إنتاج قيم الاستثمار الإسلامي سواء بالنسبة لأصحاب الودائع الاستثمارية أم بالنسبة للمصرف.

 

2. المشاركة في تحمل المخاطر فلا تعود الصيرفة الإسلامية مجرد عجلة ناقلة للمخاطر من خلال المداينات التي تتذرع إليها بالبيوع والإجارات الغائية التي صممت عقودها خصيصاً لهذا الغرض.

 

3. ولما تقدم فإن كل الآثار السلبية للتمويل الربوي، التي تم رصدها فيما تقدم سنكون منها في مأمن.

 

4. مشروعية المطالبة بوضع قانوني جديد للمصارف الإسلامية يتناسب مع طبيعة نشاطها المأمول سواء أكان استثمارياً أم تجارياً حقيقياً بعيداً عن الوضع القائم الذي يقزِّمها في إطار الوساطة المالية.

 

5. التعامل مع متطلبات الصيرفة الشاملة بمرونة كافية، ولا شك أن جهداً نظرياً وعملياً كبيراً سيكون بانتظار الصيرفة الإسلامية والمعنيين بهمومها، لكنه جهد لا بد منه لإحراز الذات وتصويب المسار والاستعداد لأنواء العولمة.

 

6. تعرية المنافسة الطفيلية التي تمثلها النوافذ الإسلامية في المصارف التقليدية، هذه النوافذ التي لا تعدو أن تكون حيلة أخرى للاستحواذ على المال الإسلامي وعلى العميل المسلم.

 

7. إن الالتزام بهذا التصور البديل سوف يعيد للمصارف الإسلامية ولاء جمهورها وولاء منظّرِيها خاصة جيل الرواد، بل وسيجند لها حواريين مخلصين ويحصِّنها من سهام الناقدين.

 

(ملاحظة: لمزيد من التأصيل لجوانب من وجهات النظر الواردة أعلاه، أنظر بحثنا: ملاحظات في فقه الصيرفة الإسلامية، مجلة جامعة الملك عبد العزيز: الاقتصاد الإسلامي، العدد 16).

وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

أ. د. عبدالجبار السبهاني

Al-Sabhany.com

للترجمة وإعادة النشر تلزم الإشارة إلى المصدر