Al-Sabhany

ما التنمية التي نريد؟؟

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه،،، وبعد: سعى الأدب الاقتصادي التنموي إلى تحديد شكل التنمية التي تصلح أن تكون هدفاً للمجتمع، فالنمو في حجم الناتج المحلي لا يكفي إنما لا بد من إحراز الزيادة في نصيب الفرد منه، والزيادة الاسمية ليست هي المقصود، إنما ينبغي أن تكون هذه الزيادة حقيقية بعد استبعاد أثر الارتفاع في المستوى العام للأسعار، ومجرد حصول زيادة حقيقية عارضة في متوسط دخل الفرد لا يكفي إنما ينبغي أن تكون هذه الزيادة مستمرة ومتجددة على المدى البعيد.

وكل ذلك كمؤشرات إحصائية لا يجدي إنما ينبغي أن تكون حقيقة واقعية أي مقترنة بعدالة التوزيع لأن نمواً يجنيه الأغنياء فقط لا يعتبر هدفاً للمجتمع، كما إن نمواً لا تتوزع ثماره بعدالة لا يملك أسباب ديمومته وسرعان ما تحاصره دورات الأعمال والأزمات الاقتصادية؛ فالعدالة التوزيعية إذا هدف يراد لذاته ويراد لآثاره إذْ هي شرط للنمو وللكفاءة.

والتنمية المطلوبة لا ينبغي أن تقتصر على مجرد الطموح بزيادة مستمرة في نصيب الفرد الحقيقي الفعلي من المقسوم الاجتماعي، إنما ينبغي أن تقترن بإصلاح الاختلالات الهيكلية والبنيوية التي تعاني منها الاقتصادات المتخلفة والتي تشلُّها وتبدد قدرتها على الانطلاق.

وتصحيح هذه الاختلالات يستلزم أيضاً تصحيحاً لحالة التكامل السلبي مع الاقتصادات الصناعية وتحتم وجوب تعديل الموقع في قسمة العمل الدولية؛ فلا يمكن إحراز تنمية مستدامة ذاتية القيادة والأهداف في ظل خضوع الاقتصاد لأنماط من قسمة العمل الدولية، جعلت منه سوقاً لتصريف المنتجات المصنّعة ومجهزاً للخامات ليس غير.

وكل هذه التغيرات في الكم والكيف الاقتصادي لا يكفي لإحراز التنمية المطلوبة، ما لم تكن هذه التنمية إنسانية الأهداف ومجتمعية الانتماء، فالإنسان هو غاية التنمية قبل أن يكون وسيلتها، ولا معنى لأي نمو اقتصادي يتجاهل البعد الإنساني والاجتماعي، وهنا تعرض التنمية البشرية جملة من المؤشرات والأهداف المنتخبة التي يتعين السعي لتحقيقها، فمكافحة الفقر وإحراز الكفاية وجماهيرية التعليم وشمول الرعاية الصحية وإتاحة التدريب والتأهيل وتيسير الاندماج والأمان الاجتماعي وتوسيع قاعدة القرار ومشاركة متزايدة للجماهير، كل ذلك من شرائط التنمية المستدامة التي تكفل سيراً حثيثاً للاقتصادات المتخلفة في مدارج النمو والارتقاء.

والإسلام يبارك مثل هذه التنمية بل هو يعتبرها هدفاً أصيلاً من أهداف مجتمعه لأنها شرط الكفاية لأبناء المجتمع، وشرط لاستجماع مستلزمات أمنه الغذائي واستقلاله الاقتصادي، وهي وسيلته كذلك لاستجماع أسباب القوة التي يؤمر باستجماعها تحصيناً للذات ونهوضاً بتكاليف الدعوة والتبليغ.

والقول بأن المجتمع المسلم مجتمع تتراجع فيه القيمة النفعية والقيمة الدنيوية لصالح القيم الأخروية لا يعني أن هذا المجتمع يزهد في الكفاءة ويجحد النمو؛ غاية ما في الأمر أن المجتمع المسلم يفرق بين الغايات والوسائل بوضوح، فهو مجتمع يستهلك ليعيش لا يعيش ليستهلك، لكن الاستهلاك "الوظيفي" بذاته يصبح فريضة وتكليفاً شرعياً فهو من مقاصد التشريع.

إن تحقيق أكبر ناتج ممكن الموارد المتاحة وموافقة هذا الناتج للتفضيل الاجتماعي هدف تتمثل فيه العقلانية والرشد الذي امتدحه القرآن، كما إن السعي لتنمية الناتج عبر الزمن أمر مطلوب في مغالبة النمو السكاني وتنامي الحاجات الفردية والاجتماعية، ولذلك فالنظرة السلبية للحياة الاقتصادية ولأهدافها لا تتسق مع رؤية الإسلام الحقيقية، وهي لا تعبر إلا عن تصورات سقيمة وسلبية تجاه الحياة ومجرياتها.

إن من القناعات التي أصبحت في غاية الوضوح في عالمنا المعاصر أن التنمية الاقتصادية نتاج جهد مجموعي لا يمكن أن ينهض به قطاع دون آخر، إنما تتضافر قطاعات الاقتصاد المختلفة لإحرازه، والمناهج الشائعة والشائهة التي تضع الشعوب أمام الخيار الساذج بين إسناد التنمية إلى القطاع العام أو إسنادها إلى القطاع الخاص مناهج حكم عليها بالعقم والخيبة.

إن القطاع الخاص ينبغي بفعَّل، والمبادرة الفردية ينبغي أن تعزز، والمبنى التشريعي في الإسلام يكفل هذا المطلب ويؤكده، لكن القطاع العام لا ينبغي أن يتخلى عن رسالته ودوره في قيادة التنمية، وليس صحيحاً هذا الزخم التحريضي الموجه الذي يمطرنا به إعلام الغرب ومنظماته " الدولية " في عملية غسيل مستمرة للعقول تسفِّه دور القطاع العام - ومن بعده الملكية الاجتماعية - وربما أغرى هذا باستدراج هذا القطاع عن عمد إلى وهدة الفساد المالي والإداري، لترفع بوجهه سكّين الخصخصة وتجعلها قدراً مقدوراً، إن هذا التوجه لا يعبر إلا عن مصالح نظام المشروع الخاص أحادي القطبية.

لقد اجتهدت وصاية الغرب ومنظماته الدولية حيناً في أن توطد سياسة تُهمِش القطاع العام في البلدان المتخلفة وتجعل النمو الاقتصادي مسؤولية حصرية للنشاط الخاص، وفي مرحلة تالية وكّل الوصيُّ أمر النمو في البلدان النامية إلى رأس المال (الأجنبي) الوافد إلى هذه البلدان ولم يترك للنشاط الخاص المحلي فيها سوى حلقات خدمية وتكميلية وتسويقية للاستثمار الأجنبي والشركات متعدية الجنسية ومتعدية السيادة.

ومما يؤسف له أن أقلاماً كثيرة عملت على تسويغ هذه القناعات وتسويقها، بل وذهبت أخرى إلى إخراجها بلبوس إسلامي فبدا كما لو كانت هذه الفلسفة المفروضة على البلدان النامية متوافقة مع الفلسفة الاقتصادية في الإسلام.

والقناعة التي نصدر عنها: أن التنمية جهد مجموعي وأنها نتاج تضافر قطاعات الاقتصاد وفروعه الإنتاجية المختلفة، وأن اجتثاث القطاع العام والاستسلام لآلية السوق الدولية، لا يقل خطراً عن تهميش القطاع الخاص والمبادرة الفردية إن لم يكن أخطر منه، وأنه مخالف لمقررات المذهب الاقتصادي الإسلامي الذي يؤصِّل لهذا القطاع ويجّذره سعياً إلى تنمية رءوفة بالإنسان رفيقة بالبيئة مقتصدة بالموارد محققة لمصالح الأمة لا مصالح رأس المال، ولن يكون كل ذلك ممكناً إلا بقوامة الدولة الراشدة.

إن مثل هذه التنمية تواجه اليوم تحديات جدية منها:

  • التضخم العالمي الذي تسببت به السياسة النقدية التوسعية للولايات المتحدة، والذي صادر فرص النمو في متوسط دخل الفرد الحقيقي إلى حد كبير.
  • التلوث البيئي الرهيب الذي حل بكثير من أقاليم عالمنا الإسلامي وجعل حياة الناس ونشاطهم الاقتصادي أكثر كلفة؛ فالتلوث الإشعاعي والكيماوي والألغام وعناقيد القنابل الانشطارية، كل ذلك شكل عبئا على الحياة ونوعيتها في هذه الأقاليم.
  • نظام التجارة الحرة قد بدد فرص توطين الطلب، ورحّل كل معطيات الحقن في الاقتصادات النامية إلى السوق الخارجية مع كل ما يعنيه ذلك من تكريس جمود العرض المحلى وتصدير فرص التوظيف إلى الخارج.
  • تضاؤل فرص توطين رأس المال بسبب سياسات التحرير المالي ومأسسة آليات ترحيل رؤوس الأموال عبر الأسواق المالية.
  • انكشاف الأمن الغذائي، خاصة بعد زيادة الطلب على الغذاء للأغراض التموينية ولأغراض إنتاج الوقود الحيوي، مما يحتم ضرورة الاعتماد على الذات عند هندسة الميزان الغذائي، بعيداً عن فكرة الميزة النسبية التي تحكم التجارة الخارجية.
  • التراجع المريع في الأمان الاجتماعي، جراء تآكل دور الدولة في الحياة الاقتصادية، خاصة في مجال تأمين الاحتياجات الأساسية: الغذاء والسكن والصحة والتعليم.

إن نظام العولمة، وهو نسخة الرأسمالية المنقحة على الطريقة الأمريكية، ليس خياراً مفضلاً ولا قدراً مقدوراً، وأن بإمكان العالم الإسلامي أن يختط لنفسه نهجاً اقتصاديا أكثر استجابة لمتطلبات شعوبه وظروفها الواقعية، وأكثر اتساقاً مع فلسفة الإسلام الاقتصادية بعيداً عن هذه التبعية المُذِلة.

وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

أ. د. عبدالجبار السبهاني

Al-Sabhany.com

للترجمة وإعادة النشر تلزم الإشارة إلى المصدر