Al-Sabhany

الكفاية وأدلة اعتمادها في اقتصاد إسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: حرص الإسلام على تحقيق الكفاية لمواطنيه فأكد التزام المجتمع ومؤسساته تجاه المحتاجين، وفي السطور التالية سنجتهد في تأشير حد هذا الالتزام وهو ما عرف فقهاً بالكفاية، والكفاية كما يقرر الفقهاء (أنظر مثلاً: السرخسي، 3: 18/ الماوردي: 205/ ابن قدامة، 6: 334) مفهوم نسبي؛ فهي تختلف باختلاف أحوال الناس وظروفهم، لكن هذه النسبية لم تمنع اعتمادها واعتبارها كما يتضح من رصد المعالم الهادية التالية:
1. إن أحكام الزكاة تشترط غنى المكلف عند تحصيلها، وأن يكون المال الخاضع للزكاة فاضلاً عن حاجته؛ إذْ لا صدقة (واجبة) إلا عن ظهر غنى (صحيح البخاري، كتاب الوصايا)، وتشترط أحكام الزكاة أيضاً فقر المستفيد عند توزيعها، إذ "لا حظ فيها لغني..." (سنن أبي داود، باب مَن يعطى مِن الصدقات)، وكلا الأمرين يؤكد اعتبار الكفاية في التحصيل وفي التوزيع.
2. إن أحكام الزكاة قضت بأن يعطى الفقير العاجز كفايته: "... فيدفع إلى الفقير والمسكين من الزكاة ما يخرج به إلى أدنى مراتب الغنى" (الماوردي، الأحكام السلطانية، فصل قسم الصدقات). وهي سُنّة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في توزيع الزكاة: "إذا أعطيتم فأغنوا" (أبو عبيد، الأموال، باب أدنى ما يعطى الرجل من الصدقة). وللفقهاء مذاهب في تحديد قدر ما يعطى المستحق وكيفية ذلك.
3. إن مسؤولية كفاية المحتاجين أو إتمام هذه الكفاية تتحول إلى بيت المال إذا لم تف موارد الزكاة كما تقدم: "...؛ فعلى الإمام أن يتقي الله في صرف الأموال ...، فلا يدع فقيراً إلا أعطاه حقه من الصدقات حتى يغنيه وعياله، وإن احتاج بعض المسلمين وليس في بيت المال من الصدقات شيء أعطى الإمام ما يحتاجون إليه من بيت مال الخراج ولا يكون ذلك ديناً على بيت مال الصدقة..." (السرخسي، 3: 18).
4. إن تقدير مرتبات الجند يعتمد الكفاية معيارا، قال الماوردي: "وأما تقدير العطاء فمعتبر بالكفاية"، ثم قال: "والكفاية معتبرة من ثلاثة أوجه: أحدها عدد من يعوله (الأعباء الأسرية للجندي) ... والثاني عدد ما يرتبطه من الخيل والظهر (أعباء الإعداد للجهاد)، والثالث الموضع الذي يحله في الغلاء والرخص (المستوى العام للأسعار)" (الماوردي، 205)، وفي السياق ذاته يورد ابن قدامة قول القاضي: "ويعرف قدر حاجتهم، يعني أهل العطاء وكفايتهم ويزداد ذو الولد من أجل ولده، وذو الفرس من أجل فرسه، ...، وينظر في أسعارهم في بلدانهم لأن أسعار البلدان تختلف والغرض الكفاية، ولهذا تعتبر الذرية والولد فيختلف عطاؤهم لاختلاف ذلك. وإن كانوا سواء في الكفاية..." (ابن قدامة، 6: 334)، وقال السرخسي محدِّثاً عن مصارف بيت المال العام ومؤصلاً لقواعد توزيعه: "...: إعطاء المقاتلة كفايتهم وكفاية عيالهم لأنهم فرّغوا أنفسهم للجهاد ... فيعطون الكفاية ... وكل من فرّغ نفسه لعمل من أعمال المسلمين على وجه الحسبة فكفايته في هذا النوع من المال".
5. إن نفقة الزوجية تحددت بالكفاية، قال ابن قدامة: "يجب للمرأة من النفقة، قدر كفايتها بالمعروف، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لهند: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، متفق عليه. ولأن الله قال: "وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (البقرة: 332). والمعروف: قدر الكفاية، ولأنها نفقة واجبة، لدفع الحاجة، فتقدرت بالكفاية، ...، فإذا ثبت أنها غير مقدّرة، فإنه يرجع في تقديرها إلى الحاكم" (ابن قدامة، الكافي، 3: 355).
6. إن حد السرقة وهو من مفردات النظام الجنائي في الإسلام يفترض الكفاية، والحاجة دريئة معتبرة شرعا، جاء في المغني عند الحديث عن الدية، وأشار إليها تالياً عند بحث السرقة: "قال أحمد، لا قطع في مجاعة...، وقد روي عن عمر أنه قال لا قطع في سنة...، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أن غلماناً لحاطب بن أبي بلتعة انتحروا ناقة للمزني فأمر عمر بقطعهم، ثم قال لحاطب إني أراك تجيعهم؛ فدرأ عنهم القطع لمّا ظنّه يجيعهم" (ابن قدامة، المغني، 8: 177)، أما قيمة الناقة فقد تحملها حاطب وهذا القدر من دلالة الواقعة متفق عليه، وأختلف بعد ذلك في مضاعفة الغرامة.
7. إن النبي أحل المسألة للمحتاج وقيّد ذلك بتحقيق الكفاية، فقال صلّى الله عليه وسلّم: "إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحّلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك. ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحّلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش (أو قال سداداً من عيش). ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة. فحّلت له المسألة. حتى يصيب قواماً من عيش (أو قال سداداً من عيش) فما سواهن من المسألة، يا قبيصة سحتاً يأكلها صاحبها سحتا" (صحيح الإمام مسلم، باب من تحل لهم المسألة).
8. إن النبي صلّى الله عليه وسلّم حدد إجرائياً، عناصر الكفاية للموظف العمومي؛ فقال: "من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة. فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا. قال: قال أبو بكر: (يعني المعافى) أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من اتخذ غير ذلك فهو غال، أو سارق" (سنن أبي داود، باب أرزاق العمال، صحيح ابن خزيمة، 4: 70)، وفي رواية أبي عبيد: "من ولي لنا (للدولة المسلمة) شيئاً فلم تكن له امرأة فليتزوج، ... فليتخذ مسكناً، ... فليتخذ مركباً، ... فليتخذ خادماً، فمن اتخذ سوى ذلك: كنزاً أو إبلاً، جاءَ الله يوم القيامة غالّاً أو سارقا" (أبو عبيد، الأموال، باب توفير الفيء).
ولا شك أن هذه المفردات من شروط الكفاية ومن لوازمها، وهي شروط تتقاصر عنها طموحات كبار الموظفين في عالمنا اليوم. وهكذا يتأكد لنا أن ما يريده الإسلام لمجتمعه هو مستوى الكفاية Adequacy level، وليس مستوى الكفاف Subsistence level الذي جعله الفكر الغربي حتماً مقضياً وقدراً مقدوراً للسواد الأعظم من الناس كما أكد القانون الحديدي في الأجور والسياسات التي تمثلت القناعة بمزية الفقر التي تكفل للرأسماليين مزيدا من العمل الرخيص.

وسبحان ربك ربِّ العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحد لله رب العالمين.

 

أ. د. عبدالجبار السبهاني

Al-Sabhany.com

للترجمة وإعادة النشر تلزم الإشارة إلى المصدر