بحوث


الأصل في الالتزامات المالية الثابتة في الذمة أنها تسدد بالمثل (بقدر الوحدات النقدية التي عُرِّفت بها)، لكنَّ التغير في قيمة النقود الورقية يجعل اعتماد المثلية الاسمية مخلاً بالمثلية المالية، وإزاء هذه المعضلة عُرضت بدائل في المعالجة أمثلها وأجراها مع المقاصد هو إحراز نقد ثابت القيمة. وإلى أن يتيسر هذا المطلب عملياً نرجح السعي لاستدراك أثر تغيّر قيمة النقود على الالتزامات لفوات المثلية المالية إذ إن تغيّر قوتها الشرائية يقدح بأهم صفة في الديون ويوجب القول فيها بالقيمة. ويسند هذا الرأي ما رجحه الحنفية ومتأخرو الحنابلة وبعض المالكية ممن قال باعتبار تغيّر القيمة في الفلوس، فمن باب أولى النقود الورقية. وهذا هو اختيارنا لأنه شرط لعدالة المعاوضات وبخلافه يتظالم الناس وتضيق فرص التعامل المستقبلي وترتفع تكاليفه ويوصد باب القرض الحسن. أما الآليات التي تعتمد لذلك فلعل أفضلها وأكثرها منطقية هي الربط القياسي للديون رغم الصعوبات المحاسبية المرافقة لها وعلى أن يبرأ الالتزام بنقد مغاير لنقد التعاقد نأياً عن شبهة الربا.    

يتناول البحث أولاً الخصائص المعيارية التي ينبغي أن تتوافر في النقود في اقتصاد إسلامي، حسبما تدل عليه نصوص الشريعة واجتهادات بعض كبار الفقهاء؛ ويستنتج أن تحقيق الأحكام والمقاصد الشرعية المتعلقة بالنقود لا يتطلب التشبث بصورها المادية التي كانت سائدة في عهد التشريع (أي الذهب والفضة)، لكنَّه يتطلب بالتأكيد استقرار قيمة النقود الذي هو شرط جوهري لكفاءتها في أداء وظائفها. ويرى الباحث أن عملية إصدار النقود أو توليدها من وظائف ولي الأمر وواجباته الشرعية التي لا ينبغي أن يستنيب فيها (أو يقطعها) لجهة غير حكومية تبتغي الربح كالمصارف التجارية، ويناقش البحث الآراء المخالفة، وينتهي إلى أن تحقيق المطلب الشرعي باستقرار قيمة النقد يتطلب سلطة نقدية أمينة وكفوء ومستقلة.      

 إن تعاظم حجم المعاملات بتطور الحياة الاقتصادية، ومحدودية عرض الذهب والفضة، قد ألجأ المجتمعات الإسلامية، مثلما ألجأ المجتمعات الأخرى، إلى التخلي عن "النقود الخلقية": الذهب والفضة، وإلى استخدام الفلوس المتخذة من المعادن المتاحة مثل النحاس والبرونز، فيما صار يعرف بالنقود "الاصطلاحية". ثم أعقب ذلك ظهور شكل حادث منها لم يزل استخدامها طاغياً في المعاملات، هي النقود الورقية المعاصرة. وهذا البحث تحقيق في التكييف الذي اعتمده الفقهاء لهذه الأشكال المستجدة من النقود، وما ارتبط بها من أحكام، مثل أحكام الاكتناز والربا والزكاة والصرف والسَّــلَم، وبالجملة التحقيق في مدى جريان الثمنية فيها، وما ينتج عن ذلك من آثار في الحياة الاقتصادية، زيادة على الأحكام ذات الصلة بالنظام المالي والجنائي.