Al-Sabhany

بحوث


يهتم هذا البحث بطبيعة العلاقة بين هدفين من أهداف المجتمع الاقتصادية هما الكفاءة الاقتصادية والعدالة التوزيعية. وإذا كان الاقتصاديون من مختلف المذاهب قد أجمعوا على وجوب السعي لإحراز الكفاءة وتمكنوا من وضع المعايير الموضوعية التي تؤشرها؛ فإن مسألة العدالة التوزيعية ظلت أبعد ما تكون عن الاتفاق سواء في مجال تحديد مضمونها أم في مجال تحديد آثارها على الكفاءة. يناقش البحث فرضية أساسية مفادها أن العدالة التوزيعية شرط مسبق للكفاءة، وأن الإسلام في نظامه التوزيعي العادل يؤمن ذلك. ويستقصي البحث أبعاد العدالة التوزيعية في الإسلام سواء في مجال توزيع الموارد والتوزيع الوظيفي وإعادة التوزيع أم في مجال الأسس الحقوقية والمؤسسات المعتمدة مبيناً حضور اعتباريّ الكفاءة والعدالة معاً في كل مراحل التوزيع وأسسه ومؤسساته بينما يشخص البحث انفصاماً تاماً بين العدل التوزيعي والكفاءة في النظم الوضعية تجلى من استعراض مواقف أعلامه ومنظريه تجاه عدالة التوزيع، وتجلى أيضاً من ملاحظة قصور الأسس والآليات المعتمدة عن إحرازها في تلكم النظم مما يضيق فرص تحقيق الكفاءة.    

باعتماد الاستقراء التاريخي والتحقيق المنطقي يناقش البحث فرضية أولية تؤكد اشتمال الاختصاصية والاشتراكية دواعي أفولهما كفلسفات اقتصادية، وتؤكد اشتمالها شروط انتقاضهما كأنظمة بما يبرر ولادة إحداهما من الأخرى على نحو جدلي بسبب نسبية الفكر الإنساني الذي بدا وكأنه يقايض بين الكفاءة والعدالة على امتداد التاريخ. وقد اهتم البحث باستكشاف موقف الإسلام من أطاريح مختارة للخصخصة المعاصرة منها: الموقف من الملكية الخاصة حيث اتضح أن الإسلام يقرها مؤكداً وظيفتها الاجتماعية كما أنه يقر إلى جانبها الملكية العامة لتأمين متطلبات الرفاهية الاجتماعية. أما الأسعار فيلاحظ أن الإسلام يكل تكوينها إلى آلية السوق ولكن بعد أن يتدخل جدياً لإعادة هيكلتها. وفي مجال التوزيع يعالج الإسلام تركز الثروة سواء من خلال أحكام التوزيع الابتدائي والوظيفي أم من خلال إعادة التوزيع الموسعة للدخل (الزكاة). أما سيادة المستهلك فهو مبدأ يقبله الإسلام في إطار فهمه لوظيفية الاستهلاك ووسطيته مع التركيز على وحدة دالة الرفاهية الاجتماعية. كما عرضت الدراسة كذلك الموقف من حرية التجارة وبيع المشروعات العامة. وقد تأكد إجمالاً تميز عناصر النظام الاقتصادي في الإسلام ومؤسساته عن تلك التي يعولمها نظام السوق في ظل توجهات الخصخصة مشيراً إلى نسبية الفكر الوضعي ومطلقية المذهب الاقتصادي في الإسلام.    

في هذه الورقة تحقيق في الأسهم والشركات المساهمة من حيث هي إطار عقدي مستحدث لعلاقة وحدات العجز بوحدات الفائض. وإذ ترجح معنا القول بمشروعية الشركة المساهمة وأنواع من الأسهم؛ فإننا نلحظ خروج آلية التسهيم في نطاق واسع من تطبيقاتها عن المقاصد والمصالح المعتبرة؛ فبعد أن كان التسهيم آلية لتجهيز حجوم رأس المال الكبيرة صار آلية لتفكيك رأس المال الاجتماعي والمشروعات العامة، وبعد أن كان وسيلة لتمويل الاستثمارات الجديدة، صار محض وسيلة لتداول الأصول الناجزة والمضاربة فيها، بل وأصبح في ظل العولمة آلية كفوءة لتعبئة رؤوس الأموال المحلية وترحيلها إلى الأسواق الدولية في ظل غياب أي إستراتيجية تنموية، وكل ذلك يقتضي ضبط هذه الآلية وربطها بالمقاصد المعتبرة في مجتمع إسلامي. والورقة تدعو إلى التمسك بموازنة رشيدة بين دور الأسواق المالية والإدارة الاقتصادية باعتبارها وسيلة للسياسة الشرعية، كما تدعو إلى تمسك الدولة بموضوعات الاستخلاف الاجتماعي وتحصينها من الخصخصة عبر آليات التسهيم باعتبارها شرائط مادية لأداء الوظائف الاقتصادية والتكاليف الشرعية.