بحوث


لقد طغى موقف الإسلام من رأس المال النقدي وتحريمه للفائدة على كل الأبحاث التي عالجت موضوعات التوزيع. لذا فقد رأيت أن أفرد هذا البحث لاكتشاف موقف الإسلام من الريع، وإذ لم يرد في القرءان الكريم حكمٌ بهذا الصدد فقد كانت دراسة السنة المتعلقة بالعقود الزراعية هي المدخل الوحيد لتحقيق هذا المقصد. لقد أسفر التحقيق أن السنة الشريفة لم تجز أن يؤخذ للأرض البيضاء أجر أو حظ، وأنها نهت عن العقود المتضمنة لذلك، مؤكدةً أن علة الريعية علة مفردة تسوغ بذاتها النهي الوارد في العقود الزراعية مثل بقية العلل الأخرى كمنع الضرر ورفع الغرر والتحصن من المخاصمة والحث على الإحسان. وإذا كان الفقهاء الأوائل قد تحفظوا على كثير من العقود الزراعية التزاماً بالأحاديث الناهية الواردة فيها فإن وجهات النظر المعاصرة في غالبها قد استنهضت عللاً صارفةً لدلالة الأحاديث الناهية؛ فأجازت الكراء والمخابرة والمزارعة وهو ما خلص البحث إلى عدم موافقته لمقاصد السنة فبيّن عدم مشروعية هذه العقود من جهة، وسعى لبيان آثارها السلبية على كفاءة نظم الاستغلال الزراعي من جهة أخرى.    

يهتم هذا البحث بطبيعة العلاقة بين هدفين من أهداف المجتمع الاقتصادية هما الكفاءة الاقتصادية والعدالة التوزيعية. وإذا كان الاقتصاديون من مختلف المذاهب قد أجمعوا على وجوب السعي لإحراز الكفاءة وتمكنوا من وضع المعايير الموضوعية التي تؤشرها؛ فإن مسألة العدالة التوزيعية ظلت أبعد ما تكون عن الاتفاق سواء في مجال تحديد مضمونها أم في مجال تحديد آثارها على الكفاءة. يناقش البحث فرضية أساسية مفادها أن العدالة التوزيعية شرط مسبق للكفاءة، وأن الإسلام في نظامه التوزيعي العادل يؤمن ذلك. ويستقصي البحث أبعاد العدالة التوزيعية في الإسلام سواء في مجال توزيع الموارد والتوزيع الوظيفي وإعادة التوزيع أم في مجال الأسس الحقوقية والمؤسسات المعتمدة مبيناً حضور اعتباريّ الكفاءة والعدالة معاً في كل مراحل التوزيع وأسسه ومؤسساته بينما يشخص البحث انفصاماً تاماً بين العدل التوزيعي والكفاءة في النظم الوضعية تجلى من استعراض مواقف أعلامه ومنظريه تجاه عدالة التوزيع، وتجلى أيضاً من ملاحظة قصور الأسس والآليات المعتمدة عن إحرازها في تلكم النظم مما يضيق فرص تحقيق الكفاءة.    

باعتماد الاستقراء التاريخي والتحقيق المنطقي يناقش البحث فرضية أولية تؤكد اشتمال الاختصاصية والاشتراكية دواعي أفولهما كفلسفات اقتصادية، وتؤكد اشتمالها شروط انتقاضهما كأنظمة بما يبرر ولادة إحداهما من الأخرى على نحو جدلي بسبب نسبية الفكر الإنساني الذي بدا وكأنه يقايض بين الكفاءة والعدالة على امتداد التاريخ. وقد اهتم البحث باستكشاف موقف الإسلام من أطاريح مختارة للخصخصة المعاصرة منها: الموقف من الملكية الخاصة حيث اتضح أن الإسلام يقرها مؤكداً وظيفتها الاجتماعية كما أنه يقر إلى جانبها الملكية العامة لتأمين متطلبات الرفاهية الاجتماعية. أما الأسعار فيلاحظ أن الإسلام يكل تكوينها إلى آلية السوق ولكن بعد أن يتدخل جدياً لإعادة هيكلتها. وفي مجال التوزيع يعالج الإسلام تركز الثروة سواء من خلال أحكام التوزيع الابتدائي والوظيفي أم من خلال إعادة التوزيع الموسعة للدخل (الزكاة). أما سيادة المستهلك فهو مبدأ يقبله الإسلام في إطار فهمه لوظيفية الاستهلاك ووسطيته مع التركيز على وحدة دالة الرفاهية الاجتماعية. كما عرضت الدراسة كذلك الموقف من حرية التجارة وبيع المشروعات العامة. وقد تأكد إجمالاً تميز عناصر النظام الاقتصادي في الإسلام ومؤسساته عن تلك التي يعولمها نظام السوق في ظل توجهات الخصخصة مشيراً إلى نسبية الفكر الوضعي ومطلقية المذهب الاقتصادي في الإسلام.