بحوث


في هذه الورقة تحقيق في الأسهم والشركات المساهمة من حيث هي إطار عقدي مستحدث لعلاقة وحدات العجز بوحدات الفائض. وإذ ترجح معنا القول بمشروعية الشركة المساهمة وأنواع من الأسهم؛ فإننا نلحظ خروج آلية التسهيم في نطاق واسع من تطبيقاتها عن المقاصد والمصالح المعتبرة؛ فبعد أن كان التسهيم آلية لتجهيز حجوم رأس المال الكبيرة صار آلية لتفكيك رأس المال الاجتماعي والمشروعات العامة، وبعد أن كان وسيلة لتمويل الاستثمارات الجديدة، صار محض وسيلة لتداول الأصول الناجزة والمضاربة فيها، بل وأصبح في ظل العولمة آلية كفوءة لتعبئة رؤوس الأموال المحلية وترحيلها إلى الأسواق الدولية في ظل غياب أي إستراتيجية تنموية، وكل ذلك يقتضي ضبط هذه الآلية وربطها بالمقاصد المعتبرة في مجتمع إسلامي. والورقة تدعو إلى التمسك بموازنة رشيدة بين دور الأسواق المالية والإدارة الاقتصادية باعتبارها وسيلة للسياسة الشرعية، كما تدعو إلى تمسك الدولة بموضوعات الاستخلاف الاجتماعي وتحصينها من الخصخصة عبر آليات التسهيم باعتبارها شرائط مادية لأداء الوظائف الاقتصادية والتكاليف الشرعية.    

التورق هو إجراء تمويلي يتمثل بشراء سلعة بثمن آجل مرتفع وبيعها بثمن حال أدنى منه بهدف الحصول على النقد، وهو بهذا المعنى صورة للعينة أو مرادف لها. وقد أجازه البعض؛ إما رخصة لضرورة، أو لأن بيع السلعة على غير بائعها، يجعل المتورق ينفرد بنيته وقصده، وبالتالي فمَن يبيعه ليس موزوراً بمسلكه، بينما لاحظ آخرون شخوص التواطؤ بين المتعاملين فغلّظوا تحريمه. وما نحن بصدده هو التورق المصرفي المُمأسس، وفيه يقوم المصرف بتقديم تمويل معلوم الكلفة من خلال وعود وعقود بيع ووكالة؛ فهو يشتري بناءً على طلب المتورق سلعة ما، يبيعها منه بثمن آجل مرتفع، ثم يتوكل عنه عقداً أو عرفاً، ليبيع هذه السلعة بثمن حال أقل وهذا الثمن هو مقدار التمويل التورقي، أما كلفته فهي الفرق بين الثمنين. وهناك تطبيقات أخرى لها خصوصياتها، لكنَّها لا تبتعد كثيرا عن هذا السياق. إن التورق المصرفي مختلف عن التورق العابر، من حيث الاتفاق الصريح والموثق على تمرير التمويل بشروطه "الربوية" من مباني عقود مشروعة، وكل الأطراف المشاركة عالمة بذلك ساعية إليه، في ظل تصريح بإسقاط الحاجة مسوغا لإجازته. لأجل ذلك، نجزم بمنع التورق لما فيه من احتيال سافر، واجتراء على الأحكام، ونجزم بعدم صلاحيته سياسة لتفريطه بالمقاصد، ومن ذلك ما يتسبب فيه من تهجير لأموال الأمة إلى السوق الدولية، ومن تحول عن الاستثمار الحقيقي إلى توظيفات عقيمة اقتصادياً.  

 شهدت الصيرفة الإسلامية تهاوداً ملحوظاً وخف الحماس للمصارف الإسلامية، بل وأصبحت في موقع الدفاع عن النفس بسبب حالة التشكك التي أفضت إليها الرياضة الفقهية المعاصرة، إذْ قالت بضمان مال المضاربة، وخلصت عملياً إلى أن عمر الوديعة هو المحدد لنصيبها من الربح، هذا في ظل توالي الإيداعات والسحوبات مما يستحيل معه محاسبة الأرباح على أساس التنضيض الفعلي. أما في جانب المرابحة وهي الصورة الأوسع لتوظيفات جُلّ المصارف الإسلامية فقد انتهت إلى صيغة بعيدة عن بيع المرابحة برسمها الفقهي المعروف ألا وهي صيغة بيع المواصفة مع الوعد الملزم، مع ما يثيره ذلك من إشكال. والتحقيق المنهجي في التطبيق المعاصر لكلا العقدين: المضاربة والمرابحة هو مسلك هذا البحث لتأشير نقاط الخلل في تطبيقاتهما واقتراح ما يمكن لتجاوز ذلك بتعقب العملية المصرفية من أبسط صورها صعداً إلى الصور الأعقد والأكثر تركيباً، سواء في مجال الحصول على الموارد أم في مجال توظيفها. إن وضوح التكييف الفقهي والبعد عن الانتقائية القائمة على الغرض هو الذي يرصِّن مسلك المصرف ويدعم مكانته، فالمصرف إما أن يكون مضارباً يتحمل المخاطرة ويشارك في الربح، أو وسيطاً مأجوراً غير موزورٍ بها. وفي مجال المرابحة ينبغي أن يتخلى عن الإلزام في الوعد إطلاقاً بل والأَولى أن يتخلى عن فكرة الوعد إجمالاً ليخرج من دائرة الشبهات المحققة التي توشك أن تقيم حاجزاً بين المصرف الإسلامي وجمهوره.