Al-Sabhany

بحوث


التورق هو إجراء تمويلي يتمثل بشراء سلعة بثمن آجل مرتفع وبيعها بثمن حال أدنى منه بهدف الحصول على النقد، وهو بهذا المعنى صورة للعينة أو مرادف لها. وقد أجازه البعض؛ إما رخصة لضرورة، أو لأن بيع السلعة على غير بائعها، يجعل المتورق ينفرد بنيته وقصده، وبالتالي فمَن يبيعه ليس موزوراً بمسلكه، بينما لاحظ آخرون شخوص التواطؤ بين المتعاملين فغلّظوا تحريمه. وما نحن بصدده هو التورق المصرفي المُمأسس، وفيه يقوم المصرف بتقديم تمويل معلوم الكلفة من خلال وعود وعقود بيع ووكالة؛ فهو يشتري بناءً على طلب المتورق سلعة ما، يبيعها منه بثمن آجل مرتفع، ثم يتوكل عنه عقداً أو عرفاً، ليبيع هذه السلعة بثمن حال أقل وهذا الثمن هو مقدار التمويل التورقي، أما كلفته فهي الفرق بين الثمنين. وهناك تطبيقات أخرى لها خصوصياتها، لكنَّها لا تبتعد كثيرا عن هذا السياق. إن التورق المصرفي مختلف عن التورق العابر، من حيث الاتفاق الصريح والموثق على تمرير التمويل بشروطه "الربوية" من مباني عقود مشروعة، وكل الأطراف المشاركة عالمة بذلك ساعية إليه، في ظل تصريح بإسقاط الحاجة مسوغا لإجازته. لأجل ذلك، نجزم بمنع التورق لما فيه من احتيال سافر، واجتراء على الأحكام، ونجزم بعدم صلاحيته سياسة لتفريطه بالمقاصد، ومن ذلك ما يتسبب فيه من تهجير لأموال الأمة إلى السوق الدولية، ومن تحول عن الاستثمار الحقيقي إلى توظيفات عقيمة اقتصادياً.  

 شهدت الصيرفة الإسلامية تهاوداً ملحوظاً وخف الحماس للمصارف الإسلامية، بل وأصبحت في موقع الدفاع عن النفس بسبب حالة التشكك التي أفضت إليها الرياضة الفقهية المعاصرة، إذْ قالت بضمان مال المضاربة، وخلصت عملياً إلى أن عمر الوديعة هو المحدد لنصيبها من الربح، هذا في ظل توالي الإيداعات والسحوبات مما يستحيل معه محاسبة الأرباح على أساس التنضيض الفعلي. أما في جانب المرابحة وهي الصورة الأوسع لتوظيفات جُلّ المصارف الإسلامية فقد انتهت إلى صيغة بعيدة عن بيع المرابحة برسمها الفقهي المعروف ألا وهي صيغة بيع المواصفة مع الوعد الملزم، مع ما يثيره ذلك من إشكال. والتحقيق المنهجي في التطبيق المعاصر لكلا العقدين: المضاربة والمرابحة هو مسلك هذا البحث لتأشير نقاط الخلل في تطبيقاتهما واقتراح ما يمكن لتجاوز ذلك بتعقب العملية المصرفية من أبسط صورها صعداً إلى الصور الأعقد والأكثر تركيباً، سواء في مجال الحصول على الموارد أم في مجال توظيفها. إن وضوح التكييف الفقهي والبعد عن الانتقائية القائمة على الغرض هو الذي يرصِّن مسلك المصرف ويدعم مكانته، فالمصرف إما أن يكون مضارباً يتحمل المخاطرة ويشارك في الربح، أو وسيطاً مأجوراً غير موزورٍ بها. وفي مجال المرابحة ينبغي أن يتخلى عن الإلزام في الوعد إطلاقاً بل والأَولى أن يتخلى عن فكرة الوعد إجمالاً ليخرج من دائرة الشبهات المحققة التي توشك أن تقيم حاجزاً بين المصرف الإسلامي وجمهوره.    

الأصل في الالتزامات المالية الثابتة في الذمة أنها تسدد بالمثل (بقدر الوحدات النقدية التي عُرِّفت بها)، لكنَّ التغير في قيمة النقود الورقية يجعل اعتماد المثلية الاسمية مخلاً بالمثلية المالية، وإزاء هذه المعضلة عُرضت بدائل في المعالجة أمثلها وأجراها مع المقاصد هو إحراز نقد ثابت القيمة. وإلى أن يتيسر هذا المطلب عملياً نرجح السعي لاستدراك أثر تغيّر قيمة النقود على الالتزامات لفوات المثلية المالية إذ إن تغيّر قوتها الشرائية يقدح بأهم صفة في الديون ويوجب القول فيها بالقيمة. ويسند هذا الرأي ما رجحه الحنفية ومتأخرو الحنابلة وبعض المالكية ممن قال باعتبار تغيّر القيمة في الفلوس، فمن باب أولى النقود الورقية. وهذا هو اختيارنا لأنه شرط لعدالة المعاوضات وبخلافه يتظالم الناس وتضيق فرص التعامل المستقبلي وترتفع تكاليفه ويوصد باب القرض الحسن. أما الآليات التي تعتمد لذلك فلعل أفضلها وأكثرها منطقية هي الربط القياسي للديون رغم الصعوبات المحاسبية المرافقة لها وعلى أن يبرأ الالتزام بنقد مغاير لنقد التعاقد نأياً عن شبهة الربا.