لماذا غاب (فرانك نايت) عن كرنفال السلوكيين؟!
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وخاتم النبيين. وبعد؛ يشدد أنصار الاقتصاد السلوكي على نقض فرضية المعرفة التامة التي أقام الكلاسيك والكلاسيك الجدد عليها بنيانهم النظري والتحليلي، ويتبارى هؤلاء في تنحيل قصب السبق وفضيلة التنويه بطريحة (المعرفة المحدودة) لمعاصرين أمثال سايمون وكانيمان وتفرسكي. وما تنبغي الإشارة إليه في هذا السياق هو أن القائلين بفرضية المعرفة التامة قالوا بها لا على الإيمان بمعناها المطلق؛ إنما قالوا بها كافتراض نظري مؤطر واقعياً بمعرفة البشر النسبية شأن كل الافتراضات المنهجية الأخرى التي تعتمد في النظر الاستدلالي والتحليل الاقتصادي فما من بشر يستطيع تجاوز حجب الغيب ويملك العلم كله. ويبقى التساؤل قائماً:
ما الذي قدمه فرانك نايت للسلوكيين؟ ولماذا غاب عن كرنفالهم؟!.
سنتحرى الإجابة على هذا التساؤل باستعراض ما كتبه (نايت: 1921) في الفصلين السابع والثامن من الجزء الثالث من كتابه المخاطرة واللاتوكد والربح؛ ففي مستهل الفصل السابع حدد (نايت) نقطة انطلاقه بكل وضوح وقطعية من (علم النفس التطبيقي) الذي اعتبره المنطق الحقيقي وأعلى شأنه في مواجهة النهج الاستدلالي التجريدي، وبذلك يكون نايت قد أشَّر للسلوكيين هذه القضية المحورية بوضوح. ومن علم النفس التطبيقي هذا انطلق (نايت) ليستكمل تحليل نموذجه المبسط للمنافسة التامة بالرغم من علمه ويقينه بتجريدية فروضها، ومن بينها فرض المعرفة التامة. وقد استدعى منه ذلك التعريج على نظرية المعرفة، ولاحظ هناك أن (المعرفة المجزوءة) هي الأصل؛ لا الحدود النظرية القصوى (الجهل التام ولا المعرفة التامة)، وأن جوهر السلوك في ظل هذا الواقع المعرفي هو العمل بالرأي (بالحدس) الأرجح. وما سماه (نايت) المعرفة المجزوءة سيكون اسمه تالياً (Bounded Rationality). وما سماه الحدس سيكون اسمه تالياً اختصارات ذهنية (Heuristics). ويشير (نايت) إلى أن نظرية المعرفة التي تعامل بها المناطقة هي نظرية المعرفة الدقيقة والبرهان الدقيق، أما قراراتنا العادية فيتم اتخاذها على أساس “تقديرات” (Judgment)؛ فالتفكير الفطري أو الحدس هو الذي يوجه قراراتنا اليومية وهي قرارات ظنية عرضة للخطأ.
إن اللاتأكد يجعل الإنسان مضطراً للاعتماد على الرأي والتقدير الشخصي، ومع أن الثقة في التنبؤ المبني على قوة الحدس قد تكون مبالغ فيها (Overconfidence) لكننا نُجبَل على قناعة مفادها أن ما يبدو لنا معقولاً من المرجح أن يتم تأكيده بالتجربة. إن نتيجة المسح المتقدم هي تأكيد عدم التطابق بين (منطق العلم) من جهة و(الآراء التقديرية) التي يستند إليها السلوك من جهة أخرى؛ إذ إن الآراء التي نتصرف بناء عليها في شؤونا اليومية لا تتشابه في معظمها مع الاستنتاجات التي يتم التوصل إليها عن طريق التحليل الشامل والقياس الاستدلالي الدقيق. إن التمييز بين آلية اتخاذ القرارات وفق التفكير الفطري (الحدسي) في القرارات اليومية وآلية اتخاذ القرارات بعد الدراسة الاستدلالية المحكمة في القرارات المهمة هي ما سيشار إليه تالياً عند السلوكيين بنظام التفكير المزدوج!!.
وفي الفصل الثامن يشير (نايت) إلى واحدة من الحقائق المألوفة التي ناقشها (آدم سميث) إذ لاحظ أن الناس سيما الفقراء يميلون إلى المبالغة في تقدير احتمال الفوز في سحوبات اليانصيب، ويقبلون على شراء بطاقات إصداراته؛ فيضحون بمال أكيد (ثمن البطاقات) مقابل وهْم أو أمل شبه مستحيل، وهذا يظهر أن النزوع المجنح بالخيال إلى الربح يتغلب على ملكة الحساب العقلاني. والملاحظة هذه المأثورة عن (سميث) والتي وكدها (نايت) ستحجز مكانها بهدوء في كتابات السلوكيين لتؤصل لهم واحداً من التحيزات المهمة، ولتكون شاهداً واقعياً للابتعاد عن الرشد في السلوك لدوافع غير معللة منطقياً لكنها واقعة سلوكياً؛ ففي سبعينيات القرن العشرين أكدت نظرية الاحتمال (Prospect Theory) التي جاء بها (كانيمان وتفرسكي) ملاحظة سميث السايكولوجية: إن الناس يُضخمون الاحتمالات التي يحبونها ولو كانت صغيرة جداً مثل فرص الفوز في اليانصيب؛ فلو كان إصدار يانصيب ما، هو عشرة آلاف بطاقة فهذا يعني أن احتمال فوز بطاقة منها موضوعياً هو (0.0001) لكن عاطفة الفقير المتعطشة إلى الربح تضخم هذا الاحتمال في خياله لتصل به إلى (0.01) مثلاً، وتفعل العكس مع احتمالات الخسارة والاحتمالات التي لا يحبونها.
وقد استخدم (نايت) مثال اليانصيب هذا كنموذج تحليلي يوضح الفرق بين المخاطرة التي يمكن حسابها التي سماها (Risk) والمجهول الذي لا يمكن حسابه والذي سماه اللاتوكد (Uncertainty) وبهذا الأخير أناط الربح. وللغرض نفسه استخدم (نايت) أيضاً مثال جرار الكرات الملونة لتوضيح فكرته المركزية أعني التفريق بين المخاطرة واللاتوكد؛ فحين نعرف عدد الكرات البيضاء والحمراء في الجرة يمكن حساب احتمال سحب واحدة منها بدقة ونكون إزاء ما يسميه (نايت) بالمخاطرة، ولكن حين لا نعلم عدد الكرات البيضاء والحمراء في الجرة فلن يمكن حساب احتمال سحب واحدة منها؛ فنكون إزاء حالة اللاتوكد (احتمال ظهور أحد وجهي قطعة النقود هو النصف، واحتمال ظهور أي من وجوه مكعب النرد هو السدس، واحتمال سحب كرة حمراء من جرة فيها خمسين كرة بيضاء وخمسين كرة حمراء هو النصف، واحتمال الفوز بإصدار اليانصبب المذكور في المثال أعلاه هو واحد من عشرة آلاف. وكل ذلك ممكن الحساب بدقة لذلك يخرج عن اللاتوكد ويدرج في المخاطرة بمفهوم نايت).
وفي خمسينيات القرن الماضي استخدم (دانيال إلسبيرغ) مثال جِرار الكرات الملونة كتجربة سلوكية؛ حيث تعرض للمشاركين جرتان الأولى فيها (50) كرة حمراء و(50) سوداء ويتم إخبار المستطلعين بتفصيل محتوياتها (احتمال معلوم = مخاطرة بلغة نايت)، وجرة ثانية مثلها لكن تفاصيل محتوياتها تُعمَّى على المستطلعين (احتمال مجهول= لاتأكد بلغة نايت). وقد وجد بالتجربة أن معظم المعنيين بالتجربة يفضلون السحب من الجرة الأولى للفوز بسحب كرة حمراء رغم أن الاحتمال الحقيقي للفوز في السحب من الجرتين متساوي، وقد سمى السلوكيون هذا الميل تحيزاً ضد الغموض أو اللاتوكد (Ambiguity Aversion) الذي تمثله الجرة الثانية.
ولفظة التحيزات التي اقترنت بمباحث السلوكيين المعاصرين أوردها (نايت)؛ فقال وإلى هذا التحيز يجب أن نضيف اعتقاداً راسخاً من جانب الفرد النموذجي بقوة “حظه”!!، وسيحجز الاعتداد بالذات وبقوة الحظ مكانه أيضاً بين قائمة التحيزات السلوكية كما سنرى تالياً.
وعلى المدى الطويل يشخص (نايت) ميلاً نحو العقلانية لذلك يفترض أن من يضحي بمنفعة حاضرة لابد أن ينتظر مكافأة أكبر منها، وأن المنظم المخاطر لديه رأي حول الربح المتوقع، وكلما تعاظم توقع الربح لديه تناقص في ذهنه احتمال الخسارة. ومن هنا فمن الصحيح أن نتعامل مع كل حالات عدم اليقين الاقتصادي باعتبارها حالات للاختيار بين توقع مكافأة أصغر بثقة أكبر ومكافأة أكبر بثقة أصغر. وفي الوقت الذي نسعى فيه جاهدين للحد من عدم اليقين، لا ينبغي لنا أن نعتقد أنه سيزول من حياتنا، بل وليس من الضروري أن يكون نشاطنا كله عقلانياً خالصاً.
والحق أن (نايت) ركّز على اللاتوكد باعتباره جهلاً لا يمكن تجنبه وسببه الواقع والتغيرات التي تستجد فيه، أما أنصار الاقتصاد السلوكي فقد ركّزوا على اللاتوكد أو ما سموه: قصوراً معرفياً وأذاعوا أن سببه دماغ الإنسان وطريقة تفكيره أو همته في بلوغ الإدراك حتى عندما تتوفر المعلومات اللازمة.
وبعيداً عن الطريقة التي فسرت بها كثير من الأمثلة والمواقف بين السلوكيين والتقلييدين بل حتى بين الوضعيين والإسلاميين فإن الواقع الاجتماعي يظهر أن الناس؛ كل الناس يسيرون أمورهم بالأرجحية. وأنهم يعملون بالمتيسر من المعرفة؛ فما لا يدرك كله لا يترك جله، وأن التسديد والمقاربة والعمل بغلبة الظن أصلٌ في الاجتهاد والإفتاء، وأن العمل بالخرص أمر سائغ عند تعذر القياس الفعلي بالوزن والكيل، وأن الرمي الخطف السريع في ظروف الرؤية المحدودة لا يشترط دقة في التصويب، …، وشواهد كثيرة تشهد لهذا المنطق في نظرية المعرفة وفي نظرية السلوك، وكل ذلك لا ينبغي أن يحط من الهمة في السعي إلى الوصول إلى الأكمل فالأكمل في الإدراك وفي التصرف. ومن باب أولى أن لا نسفه جانباً زاخراً من التراث الإنساني. هذا، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
عبدالجبار السبهاني
للترجمة أو إعادة النشر
تلزم الإشارة إلى المصدر
al-sabhany.com
17/5/2026
