سيدنا داود ودرس في الرقابة النوعية وجودة الإنتاج
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وخاتم النبيين وبعد: فقد قال تعالى عن سيدنا داود (1042- 972 ق.م) عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: “وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ” (الأنبياء: 80). وقال أيضاً: “… وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ … (سبأ: 10-11).
فما الصنعة؟ وما السَّرْد؟ وما التقدير فيه؟
أما الصنعة فهي صناعة الدروع أو السرابيل التي تقي المحارب من سلاح عدوه؛ فمن مِنَن الله سبحانه على سيدنا داود أن علمه صناعة الدروع من حَلَق الحديد ويسَّر له ذلك بإلانته له، وكانت الدروع من قبل تصنع من الصفائح فتثقل على المحارب وتقمع حركته.
وفي حيثيات التأهل لهذه المِنَّة أورد القرطبي رحمه الله في تفسيره ما خلاصته أن سيدنا داود لما تقلد مُلْك بني إسرائيل تنكر وخرج بين الناس يستطلع رأي الرعية فيه؛ ساق الله إليه من قال له إنه: نعم العبد لولا أنه يرتزق من بيت المال، ولو أكل من عمل يده لتمت فضائله!!؛ فدعا سيدنا داود ربه أن يعلمه صنعة يستغني بها عن المال العام. فعلمه الله صناعة الدروع وألان له الحديد. ولعل هذا المعنى هو الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينوه بفضيلة العمل المعاشي بقوله: “ما أكل أحد طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده”، وينوه أيضاً بفضيلة سيدنا داود الذي كان نبياً وكان ملكاً ومع ذلك كان يأكل من عمل يده؛ فقال: “وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده” (البخاري: 2072).
وإذن فالصنعة هي صنعة الدروع والمِنَّة فيها على سيدنا داود هي: أن تغنيه عن المال العام، والمِنَّة فيها على الناس: أن تحصنهم من بأسهم. وهذه المعاني هي ما أشارت إليه آية سورة الأنبياء الثمانون. أما آية سورة سبأ العاشرة فأشارت إلى خصوصية المِنَّة لسيدنا داود بإلانة الحديد بيده فكان كما يقول المفسرون يجري في يده ليناً بلا نار ولا طرق. أما المواصفات المطلوبة في هذه الدروع فهي أن تكون كما بينته آية سبأ الحادية عشرة: “سابغات” أي كوامل تامات واسعات تغطي ما يلزم تغطيته من جسد المقاتل. ويطلب فيها أيضاً التقدير في السَّرْد، وخلاصة ما قاله المفسرون في السَّرْد:
- السَّرْد هو المسمار الذي يشكُّ حَلَق الدروع.
- السَّرْد في قول آخر هو حَلَق الحديد ذاتها.
- السَّرْد هو عملية النظم فيكون السَّرْد مصدر مثل النسْج والخصْف والله أعلم. أما ناتج هذه العملية فهو المسرودة أي الدرع المتقنة غير المهلهلة التي تتوالى حلقاتها بما لا يتيح نفوذ السلاح منها إلى جسد من يرتديها؛ قال أبو ذؤيب يصف مقاتلَين لبسا درعيهما مطرياً جودتهما:
وَعَلَيهِمَــا مَسْــرُودَتَانِ قَضَاهُمَــا ………. دَاودُ أَوْ صَنَـــعُ السَّــوَابِغِ تُبَّــعُ
وقال كعب بن زهير بن أبي سلمى في وصف محاربي الصحابة رضي الله عنهم وعنه في بردته المشهورة:
شُمُّ العَرانِينِ أبْطالٌ لُبوسُهُمْ ………. مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ في الهَيْجَا سَرابيلُ
بِيضٌ سَوَابِغُ قد شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ ……………. كأنَّها حَلَقُ القَفْعاءِ مَجْدولُ
والسربال يراد به الثوب الذي يلبس في السِّلم ويراد به أيضاً الدرع الذي يلبس في الحرب؛ قال تعالى: “وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ” (النحل: 81). أما القفعاء؛ فنبات له حَلَق تشبه الأساور كما يظهر في الصورة التعبيرية معزاة إلى مصدرها. وخلاصة ما قيل في معنى التقدير في السَّرْد والله أعلى وأعلم: مراعاة الموازنة بين اعتباري الحصانة ويسر الحركة، وذلك يستلزم مراعاة العلاقة النسبية بين فتحة الحلقة والمسمار الذي يشُكّها؛ فلا يكون دقيقاً فيقلق، ولا غليظاً فيفصم الحلق إذا كانت الدرع مسمورة، ومراعاة سعة الحلقات التي تتداخل مع بعضها فيمسك بعضها بعضاً إذا كانت الدرع مسرودة. هذا؛ وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
Abduljabbar Al-Sabhany
For translation, use, or republication
Citation of the source is required:
al-sabhany.com
