الربا؛ مأسسته وآثاره الاقتصادية

محاضرة ألقيت عبر منصة
الجمعية الأردنية للمالية الإسلامية
في 6/8/2026

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وخاتم النبيين.

(1)
أبواب الربا

أخرج البزار عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه حديث: “الربا بضع وسبعون باباً، والشرك مثل ذلك” (البحر الزخار، 5: 318، ر1935)، ولفظه في (مجمع الزوائد: 4/120): “الربا سبعون باباً، والشرك مثل ذلك”، وأخرج عنه ابن ماجة (2275): “الربا ثلاثة وسبعون باباً”. وأوضح السندي في شرح سنن ابن ماجة: أن المراد (بذكر العدد) التكثير دون التحديد، لذلك لم يعرف عن أهل العلم انشغالهم بحصر هذه الأبواب وتعدادها، أما أشهر أبواب الربا فهي؛ ربا الديون وربا البيوع:

الباب الأول: ربا الديون ويسمى أيضاً ربا النسيئة. وينشأ هذا الربا من جدولة دين صحيح بالأصل ينقلب ربوياً بالجدولة أو أنه ينعقد ديناً ربوياً ابتداء كما في الصور الآتية:

  • أنظرني … أزدك (فهذه جدولة يطلبها المدين ينقلب بها الدين الصحيح ربوياً).
  • إما أن تقضي … وإما أن تربي (وهذه جدولة يفرضها الدائن ينقلب بها الدين الصحيح ربوياً). وفي الحالين واضح أن ثمة عرف مسكوت عنه يحدد الربا أو كلفة الجدولة.
  • أقرضك سبعين؛ تسدها مائة (فهذا دين قرض ينعقد ربوياً ابتداء).

وإذن فربا النسيئة هو: زيادة مشروطة عقداً أو عرفاً على أصل ما ثبت صحيحاً في الذمة نظير الأجل؛ فهو فضل خال عن العوض الصحيح إذ “موجب القرض رد المثل”، وهذه من القواعد الناظمة للربا، ومن هذه القواعد أيضاً: “كل سلفٍ جر نفعاً فهو ربا”، وقد يكون من المناسب التدقيق في إطلاق هذه القاعدة وتحديدها؛ فالنفع المعني يُحمَل ابتداء على النفع المشروط دون غيره، ثم هو يُحمَل على النفع الذي يكون للدائن على حساب المدين؛ فلو كان نفع الدائن لا يقتضي كلفة أو استغلالاً يلحق بالمدين لم يُخِل ذلك بالقرض ولم يستجر به نعت الربوية كما في أحد قولي العلماء في السفتجة. وهذا الفهم يستدعي التوقف عند بعض القواعد التي قعَّدها بعض الفقهاء لتستوعب ما يرونه مندرجاً في ربا النسيئة ومن هذه القواعد:

  1. مُعجِّلُ ما في الذمة مُسلِفٌ (وهي ضعْ وتعجَّل). وفيها تفصيل مداره على حديث المقداد وحديث بني النضير، والتمييز بين دين القرض ودين المرابحة.
  2. أسْلفني… أسلفك (القروض المتبادلة)؛ ففي سياق البحث عن بدائل للقرض الربوي، جاء في قرارات فتوى ندوة البركة الثامنة للاقتصاد الإسلامي: “إذا اتفق بنكان على أن يوفر كل منهما للآخر المبالغ التي يطلبها أي منهما على سبيل القرض … فإن هذا الاتفاق جائز، تفادياً للتعامل بالفائدة أخذاً وإعطاءً على الحسابات المدينة بين البنكين شريطة عدم توقف تقديم أحد القرضين على الآخر”.

الباب الثاني: ربا البيوع، وقد فصلت السُّنة أحكامه في الربويات الستة كما جاء في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: “الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ” (البخاري رقم 2178، ومسلم رقم 1584). وعليه فربا البيوع هذا له صورتان:

ربا الفضل؛ وهو الزيادة في قدر أحد البدلين الربويين المتحدين جنساً (ذهب بذهب) (ورِق بورِق) (تمر بتمر). وربا النساء؛ وهو تأجيل قبض أحد البدلين الربويين المتحدين جنساً (مثل ذهب بذهب) أو علة (مثل ذهب بفضة الذين تجمعهما علة الثمنية). والاحتمالات المنطقية عند مبادلة الأثمان (العملات والنقود) ببعضها أربعة هي مبادلة: عاجل بعاجل، وعاجل بآجل، وآجل بعاجل، وآجل بآجل، ولا يصح من هذه الممكنات حسب ما قضى الحديث إلا الخيار الأول أي مبادلة عاجل بعاجل إنفاذاً لشرط التقابض الفوري، أما الأسواق المالية المعاصرة فقد استباحت هذه الممكنات جميعها.

ملاحظة: عملة كل دولة جنس نقد قائم بذاته؛ فالعملات المعاصرة تجري فيها أحكام الصرف كما تجري في الذهب والفضة.

عود على ربا النسيئة:
إذا ذكر الربا دون قرينة مقيِّدة للدلالة على بابه فإن المقصود به الباب الأول أي ربا الديون، وقد تقدم ما قيل في حده: “زيادة مشروطة على أصل ما ثبت صحيحاً في الذمة نظير الأجل”؛ فهو فضل خال عن العوض الصحيح.

(2)
أدلة تحريم الربا

تعاضدت أدلة تحريم هذا الربا في القرءان والسُّنة والإجماع، ومن ذلك قول الله تعالى: “الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ” (البقرة: 275، 276)، وقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ” (البقرة: 278، 279).

وما قرره القرءان أكدته السُّنَّة في مواضع كثيرة ومن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم (3: 1219): “لعن رسول الله e آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء”.

قال النووي: “أجمع المسلمون على تحريم الربا وعلى أنه من الكبائر” (المجموع، 9: 375). وقال ابن قدامة عن الربا: “محرم بالكتاب والسنة والإجماع” (المغني، 4: 25). والربا بعدُ من السبع الموبقات، وقد تكاثرت الأحاديث الشريفة الناهية عنه، المنفرة منه، المبشعة لمسلكه، المحذرة من عواقبه في الدنيا والآخرة ولو كان هذا العقد عقداً رضائياً بين الناس، وهذا وجه افتراق نظرية العقد الإسلامية عن نظرية العقد الوضعية؛ فرضا العاقدين لا يكفي لإنجاز المشروعية ما لم يكن في دائرة الإباحة.

تحرير الموقف من الفائدة مجمعياً:
وقد قررت المجامع الفقهية في النصف الثاني من القرن الماضي إلحاق الفائدة المصرفية المعاصرة بالربا في حكم الحرمة. ومن ذلك:

(1) قرار مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر عام 1385هـ/ 1965م وجاء فيه: “الفائدة المصرفية على أنواع القروض كلها ربا محرم،لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقروض الاستهلاكية أو ما يسمى بالقروض الإنتاجية لأنَّ نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين، وأنَّ كثير الربا وقليله حرام، وأنَّ الإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك ولا يرتفع إثمه إلَّا إذا دعت إليه الضرورة، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته”.

(2) قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي/ منظمة المؤتمر الإسلامي في جدة 1406هـ/ 1985م)، وفيه أن: كل زيادة أو فائدة على الدَّين الذي حل أجله مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة أو الفائدة المحددة على القرض ابتداءً، هما رباً محرم شرعاً، وأكد دعوة الحكومات الإسلامية إلى تشجيع المصارف الإسلامية القائمة والتمكين لإقامتها في كل بلد إسلامي لتغطي حاجة المسلمين كيلا يعيش المسلم في تناقض بين واقعه ومقتضيات عقيدته.

(3) قرار مجمع الفقه الإسلامي/ رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة (1406هـ/ 1986م) الذي أكد على أنَّ كل ما جاء عن طريق الفوائد الربوية هو مال حرام شرعاً، ودعا المسؤولين في البلاد الإسلامية والقائمين على المصارف الربوية إلى المبادرة الجادة لتطهيرها من الربا.

(3)
المداينة الربوية نظام تمويلي عام

ابتدأت المداينة الإقراضية الربوية عقداً فردياً لكنها تحولت مع تطور الاجتماع الإنساني إلى نظام عام وصارت تغطي تعاملات تمويلية متنوعة مثل:

  1. القروض النقدية حيث يُسلَّم مبلغ القرض مباشرة للمقترض أو يُمكَّن من سحبه بالشيكات، نظير مبلغ أكبر منه يثبت في ذمته.
  2. سلف نقدية تُقدَّم للمقترض مُنجَّمة بناء على جداول زمنية أو إجرائية محددة.
  3. كفالات مصرفية (اعتمادات مستندية وخطابات ضمان) يقدمها المصرف للعملاء عند طلبها وهي بمثابة قروض حكمية.
  4. حساب جاري مدين يوافق المصرف على فتحه للعميل يتيح للمتمول (المقترض) سحب السيولة عندما يشاء بطريقة مبرمجة ضمن سقوف محددة، كما يتيح له الإيداع في هذا الحساب على نحو متوال، وتتم محاسبة المقترض على أساس المبالغ التي تتجاوز رصيده ومدة بقائه مكشوفاً.
  5. يعامل التأخر عن السداد بذات المنطق فيما يعرف بالفوائد التأخيرية التي يذعن لها المدين كأحد الشروط العقدية أو الجزائية الدارجة.
  6. حسم (خصم) الأوراق التجارية إذْ يقوم المصرف بقبول (شراء) الأوراق التجارية المقدمة من العملاء والتي تستحق في مواعيد لاحقة (كمبيالات وسندات إذنية) نظير قيمتها الحالية التي تحتسب على أساس القيمة الاسمية لتلك الأوراق مطروحاً منها: (فائدة تحتسب على قيمة الورقة من تاريخ الحسم حتى تاريخ الاستحقاق، وتتحدد هذه الفائدة بسعر إعادة الحسم لدى البنك المركزي) + (زائداً عمولة نظير تحصيل الورقة في تاريخ الاستحقاق كنسبة مئوية من القيمة الاسمية للورقة التجارية) + (زائداً هامش مخاطرة نظير ما قد يتعرض له المصرف جراء عملية الحسم). وفي تاريخ استحقاق الورقة التجارية يقوم المصرف التجاري عبر فروعه وشبكة مراسليه بتحصيل قيمتها من المدين (المسحوب عليه) وقيد قيمتها المحصلَّة ضمن إيرادات المصرف. أما إذا رُفِضت هذه الأوراق من قبل المدين المسحوب عليه؛ فإنَّ المصرف يرد الأوراق المرفوضة إلى العملاء الذين قدموا تلك الأوراق (بائعيها إلى المصرف)، ويقتطع قيمتها من حساباتهم الجارية (إن كانت لهم عنده حسابات جارية) أو يُحصَّل منهم نقداً قيمة الأوراق المرفوضة زائداً المصاريف القضائية اللازمة لإثبات امتناع المسحوب عليه عن الدفع، ولتحرير الشهادة القضائية بذلك (البرُوتِسْتُو).
  7. معاملات البطاقة الائتمانيةCredit Card، والبطاقة في ظاهرها قطعة بلاستيكية نمطية الصنع تحمل المعلومات التعريفية الضرورية مثل رقم البطاقة وشارة المصرف المُصدِر والمنظمة الراعية، وتحوي بداخلها شريحة ممغنطة تسمح بتخزين المعلومات وإدارتها بالوسائط الإلكترونية.

والبطاقة الائتمانية في جوهرها منظومة عقدية تضم عقوداً عدة (توكيل، إقراض، حوالة، كفالة، …) وأطرافاً عدة (المُصدِر، العميل، مصرف العميل، التاجر، مصرف التاجر، المنظمة الراعية صاحبة الامتياز)، وإذن فالبطاقة الائتمانية: أداة تسوية يصدرها بنك تجاري أو مؤسسة مالية، تمكِّن حاملها من الشراء بالأجل على ذمة مصدرها، ومن الحصول على النقد اقتراضاً من مصدرها أو من غيره بضمانه. ومن أشهر البطاقات الائتمانية فيزا وماستركارد ويورو كارد وأمريكان أكسبرس. وغني عن البيان أنَّ هذه البطاقات تحرز للمصرف المُصدِر لها (زيادة على رسوم إصدار ها وتجديدها) فوائد ربوية إذ تنطوي على تجهيز العميل بالمال أو تمويل مشترياته على أساس المداينة الربوية.

(4)
ارتباط الربا بخلق النقود واختطاف النظام النقدي!!

أدركت المصارف التجارية (الصيارفة) بالتجربة العملية أن الأفراد الذين يودعون لديها نقودهم في حسابات جارية لا يسحبوها في آن واحد، وأنه يكفيها والحالة هذه للوفاء بطلبات السحب المعتادة أن تحتفظ بنسبة من مجموع ما أُودع لديها كاحتياطي وتقرض الباقي وتستأثر بعائد إقراضه (الفائدة). وهكذا انبثقت فكرة الاحتفاظ باحتياطي جزئي كممارسة مصرفية مهنية، ومع تطور العمل المصرفي صارت المصارف تتواضع عليها عرفياً، ثم جاءت التقنينات الحكومية بعد ذلك لتضفي مصادقة على هذا العرف المصرفي بحكم القانون، وسُمح للمصارف التجارية صراحة بإقراض ما زاد عن هذه النسبة من الودائع الجارية لديها. والمسكوت عنه ليس السماح بإقراض ما زاد عن الاحتياطي القانوني إنما هو أمر آخر، إنه انطواء هذا الترخيص القانوني على شيء لا يمكن الدفاع عن قانونيته!!؛ إنه توليد نقود الودائع (انظر: صور التعدي على الولاية العامة لسلطة الدولة في إصدار النقود وإدارتها) على الرابط التالي:
https://journals.qu.edu.qa/index.php/sharia/article/view/4329

آلية توليد نقود الودائع

وتفسير ما تقدم أن النظام المصرفي المعاصر يمكِّن صاحب الوديعة الأولية من السحب عليها بالشيكات لصالح الدائن أو المستفيد، وهذا المستفيد سيعمد غالباً إلى إيداع هذا الشيك في حسابه، والمصرف الثاني الذي استلم هذا الشيك سيعتبره وديعة يجتزئ منها نسبة الاحتياطي القانوني ويقرض الباقي؛ بأن يمكِّن المقترض من سحب الشيكات على حسابه المدين الذي يفتحه له، وحين تخرج هذه الشيكات من يد المقترض إلى شخص آخر ثمناً لمشترياته أو سداداً لديونه سوف يعيد هذا الآخر إيداعها، وسيعاملها المصرف الثالث الذي أودعت فيه كوديعة أولية يحتفظ بجزء من قيمتها ويقرض الباقي، وهكذا تشتق ودائع مضاعفة من الوديعة الأصلية.

(Jackson and Dyson, 77-79) (Faure, 112-114) (Mishkin, 395).

مثال:
لنفرض أن عميلاً أودع (100) دولار في حسابه الجاري، وكانت نسبة الاحتياطي القانوني هي (10%)؛ فإن المصرف سيقتطع منها (10) متطلب الاحتياطي القانوني ويقرض (90) دولار إلى عميل ثان، فإذا أودع العميل الثاني الـ (90) في حسابه في مصرف آخر فإن هذا المصرف سيحجز منها (9) ويقرض الـ (81) إلى عميل ثالث. وستظهر أرصدة العملاء التي يمكنهم السحب عليها بالشيكات الكتابية أو بالبطاقات الإلكترونية على النحو الآتي: (100 للعميل الأول، 90 للعميل الثاني، 81 للعميل الثالث)؛ فيكون مجموع النقود في أرصدتهم (271) بينما الوديعة الأولية هي (100) فقط. وهذا يعني ببساطة أن هناك زيادة مشتقة في النقود مقدارها (171). ولو واصلنا الحساب وبافتراض غياب عناصر التسرب فإن المحصلة الإجمالية ستكون (1000) دولار. وهي النتيجة التي كنا سنصل إليها عند ضرب الوديعة الأولية بمقلوب نسبة الاحتياطي القانوني. ونقود الودائع هذه هي نقود محاسبية ليس لها أي وجود مادي فيزيائي.

النظرية الحديثة في خلق نقود الودئع

إن أهم ما يميز المصارف التجارية هو استغلالها لثقة عملائها؛ فهم يرضون منها بمجرد إعلان استعدادها لإجابة أوامرهم الكتابية (الشيكات) سواء أكانوا دائنين للمصارف أم مدينين لها، وقد استثمرت المصارف التجارية ثقة الناس بها؛ فلم تكتف بأن تقرض جمهورها من الودائع الجارية التي في حوزتها؛ إنما راحت تمنح (كما يقول تقرير بنك إنجلترا الربعي) بجرة قلم كل من يطلب منها قرضاً (McLeay et al., 2014: 16)؛ أي تمنحه الحق في أن يسحب عليها شيكات تعد هي بدفعها نقداً عند الطلب (بغض النظر عن وجود وديعة فعلية تقتطع منها هذا القرض) بمجرد أن يغلب على ظنها أن المقترض سوف يقدم على السداد (Faure, 2013: 124)، أو على الصحيح، بمجرد أن يغلب على ظنها أن مكاسب هذه المغامرة مع جمهور المقترضين تتجاوز مخاطرها اكتوارياً. وهكذا تنشأ الوديعة للمقترض في اللحظة التي يوافق فيها المصرف على منحه القرض، وهكذا أصبح الإقراض هو الذي يولد الودائع وليس العكس.
 (Jackson & Dyson, 80-83/ What is Money, 108)

 إن هذا التصور الجديد لآلية توليد نقود الودائع يعني أمرين:

  • أن المصرف التجاري الواحد يستطيع بمفرده خلق نقود الودائع (Werner, 2014, 71)، بينما كانت النظرية التقليدية تربط خلق النقود بالجهاز المصرفي ككل.
  • أن نسبة الاحتياطي القانوني كأداة من أدوات السياسة النقدية قد فقدت قدرتها في التأثير في عرض النقد. وقد صرح بذلك تقرير بنك إنجلترا المشار إليه آنفاً وورقة الكونجرس (IN11330, 2020: 2) أيضاً.

إن القروض الحكمية (التمكين بالسحب على المصرف) التي خرجت من المصارف التجارية مع المقترضين ستعود وتدخلها من جديد مع عملاء جدد كودائع. وهكذا صارت ودائع الجمهور تزداد لدى المصارف التجارية مع كل قرض تقدمه المصارف لعملائها. وصرنا إزاء آلية توسعية متناوبة: الإيداع يولد إقراضاً، والإقراض يولد إيداعاً، ومضت ماكنة المصارف التجارية على هذا النحو.

النظام الربوي يطور نفسه
كان الإقراض الربوي قبل نظام الاحتياطي الجزئي واضحاً ومعلوماً لأطراف العلاقة وللمجتمع ولمؤسساته، لكن الأمر اختلف كثيراً بعد ذلك:

(1) كان الممول في ظل نظام المقايضة ومع النقود السلعية والمعدنية وحتى النقود الورقية المستندية والنائبة يقرض شيئاً يملكه على أن يرد له المتمول المقترض قدر ذلك الشيء وزيادة معلومة ومضمونة هي الفائدة أو الربا.

(2) ثم صار الممول (المصرف التجاري) في ظل نظام الاحتياطي القانوني الجزئي يقرض شيئاً يضمنه ولا يملكه (الحسابات الجارية) على أن يرد المتمول المقترض قدر ذلك الشيء وزيادة معلومة ومضمونة.

(3) ثم صار الممول بحسب النظرية الحديثة يقرض شيئاً يخلقه (نقود الإقراض/ نقود الودائع) على أن يرد المتمول المقترض قدر ذلك الشيء وزيادة هي الربا أو الفائدة، أي أنه يقرض شيئاً من لا شيء ويأخذ عوضاً لذلك قدر ذلك الشيء وزيادة.

دورة حياة نقود الودائع:
إن دورة حياة النقود القانونية تبتدئ من اللحظة التي يطلقها البنك المركزي في محيط التداول وتنتهي في اللحظة التي يجمعها من محيط التداول بهدف إعدامها. أما دورة حياة نقود الودائع فتبدأ من اللحظة التي يوافق فيها المصرف التجاري على منح الائتمان وتنتهي بلحظة تسديد هذا الائتمان وغالباً ما يكون منجماً على أقساط، ومع كل تسديد أو إقفال للقيد المحاسبي تكون دورة حياة ذلك الجزء من نقود الودائع قد انتهت.

ومن الناحية الحقوقية يتضح للمتأمل أن المصارف التجارية بخلقها للنقود تُغِّل من المقسوم الاجتماعي أصل القرض المحاسبي والفوائد عليه في ممارسة سكت عنها القانون نظير التزام المصارف التجارية بالاحتفاظ بكسر عشري من دائع الجمهور الجارية أو بمجرد إعلانها الالتزام بذلك!!، أما عملياً وتالياً فبحسب النظرية الحديثة أصبحت المصارف التجارية هي التي تحدد حجم الودائع التي تخلقها في ضوء الطلب على القروض وتترك للمصرف المركزي أن يقرر نسبة الاحتياطي القانوني من هذه الودائع بعد خلقها!!.

(5)
الربا وتجارة الهامش

لم تلبث مصيبة المجتمعات أن تعاظمت مع الاستنسال الفلكي للنقود لتمويل ما يعرف بـ(تجارة الهامش) التي تقوم على تمكين المُتاجر: المُضارب Speculator من المتاجرة برأس مال يفوق الهامش (مبلغ المال الذي يملكه) أضعافاً مضاعفة؛ فالمُتاجر الذي لديه هامش مستخدم مقداره ألف دولار فقط يكون بإمكانه المتاجرة بمائة ألف تحسب عليه قرضاً مداراً وفق سياق عقدي تعتمده الشبكة المضيفة للمتعامل بالهامش، هذا على فرض أن نسبة الرفع التي يقدمها الممول لكل دولار في الهامش المستخدم هي: (100: 1)؛ وهذه النسبة قد تصل إلى (400: 1). وكل ذلك مع غياب كامل لعناصر التسرب التي تكتنف عملية توليد النقود الائتمانية المحاسبية. وهذا أعلى مضاعف لتوليد النقود عرفه الاجتماع الإنساني من قبل مؤسسات خاصة تفتئت على صلاحيات جهات الإصدار الرسمية، وهي بفعلها هذا تنطوي على ضرر محقق يحيق بالناس جراء نشاط غير معتبر لا في النظر الشرعي ولا في النظر الاقتصادي، لكن هذا هو ما يحدث في الواقع فعلاً:

https://al-sabhany.com/research/the_dilemma_of_instability_in_the_monetary_and_financial_systems-pdf/

(6)
اجتماع ربا النسيئة وربا النساء

لم تكن قيادات العمل المصرفي بالتي تقنع بموفور مكاسبها المتقدمة؛ إنما اجتهدت أن تتاجر في النقود في الأسواق المالية متنكرة لقواعد الصيرفة التجارية (التي يمثل روحها تشريع Glass-Steagall) ومستغلة مناخات التحرير المالي التي نشرت شعارات الصيرفة الشاملة والصيرفة الاستثمارية، وهكذا صارت المصارف التجارية تحمِّل المجتمع مخاطر مضارباتها ومتاجراتها في النقود (طبعاً بعيداً عن أي من ضوابط الصرف) وغصت الأسواق المالية بالخيارات والمشتقات والعقود الآجلة في العملات وفي غيرها من الأدوات المالية، وبذلك يكون ربا النساء قد اجتمع مع ربا النسيئة ومع خلق النقود في النظام المالي المعاصر، وكل ذلك على حساب الاقتصاد الحقيقي وعلى حساب الرفاه الاجتماعي، كل ذلك والعالم يزعم أنه وعى دروس الأزمات المالية وأن النظام المصرفي والمالي متجه نحو الأمان والاستقرار!!.

(7)
موقف الاقتصاد الإسلامي من نقود الودائع

إن أي عملية إصدار أو توليد نقود جديدة، تعني أن الجهة المصدرة أو المولدة، قد ملَّكت نفسها جزءاً شائعاً من ناتج المجتمع وأصوله، يتناسب مع نسبة الإصدارات الجديدة أو المولدة إلى إجمالي عرض النقد. وإذا كان ريع الإصدارات القانونية يؤول إلى المجتمع؛ فإن ريع نقود الودائع يظل كسباً غلولاً تتقاسمه المصارف التجارية المملوكة ملكية خاصة، وزيادة على ذلك يتأكد الآتي:

  • أن توليد نقود الودائع من قبل المصارف التجارية يعني فنياً تطفيف قيمة النقود المتاحة في محيط التداول، لأنه سيزيد من حجم النقود مقابل حجم الناتج.
  • أن توليد نقود الودائع من قبل المصارف التجارية يجرد المصارف المركزية من قدرتها في السيطرة على عرض النقود وتصبح معه منظومة أدوات السياسة النقدية بما فيها نسبة الاحتياطي القانوني قد فقدت قدرتها على حفز الاقتصاد وعلى ضبطه.  
  • أن الأصل في اقتصاد إسلامي أن تتولى الدولة إصدار النقود؛ فهي من المصالح المرسلة التي لا يُستغنى فيها عن الدولة أبداً، ولا يكون لأحد من الرعية إصدارها افتئاتاً على السلطان. ولعل المراقب يستطيع أن يجزم بأن ما يعرف بحركة النقود السيادية المعاصرة بقضها وقضيضها لم تقل شيئاً يتجاوز هذه المعطيات التي أكدتها السياسة الشرعية الإسلامية.

وقناعتنا أن إصدار النقود وإدارتها ولاية سيادية شرعية وحق غيري تناط به مقاصد السياسة الشرعية على نحوٍ محقق، إن مجرد سك النقود المعدنية خارج دار السِّكَّة الرسمية ولو بشعارات الإسلام وشاراته ولو كانت خالصة، أمر رفضه الفقهاء لأن فيه افتئاتاً على السلطة العامة؛ فما نقول بفعل المصرف التجاري الذي “يسُك” ما لا يملك، إنه يُغِلُّ فيء الرعية، ويغتصب النظام النقدي؟!. إن إقطاع المصارف التجارية أهلية توليد النقد أخطر من إقطاع مجرى النهر وإقطاع الماء العد وطريق العامة، وكل هذا ليس لولي الأمر قطعاً، ولا شك إن ما عده الفقهاء من العظائم وحذروا منه يتصاغر إلى جانب “تأهيل” المصارف التجارية مؤسسياً لتوليد نقود الودائع:

https://al-sabhany.com/research/money_as_it_should_be_in_an_islamic_system-pdf/

(8)
آثار التمويل الربوي

إنَّ استقراء الواقع يظهر أن نسق التمويل المصرفي الذي يقوم على الإقراض الربوي، ينجم عنه ولا بد آثار واضحة سواء على صعيد المتعاملين به أم على صعيد الاقتصاد ككل، وأبرز هذه الآثار نجملها فيما يأتي:

(1) إنَّ التمويل الربوي يؤدي إلى تركز الثروة؛ فالأموال في ظل هذه العلاقة العقْدية، تسير باتجاه الوحدات التي تكسب دائماً: أعني الوحدات التي تقرض بفائدة، وتنحسر في المحصلة عن وحدات العجز التي تلتزم برد القروض مع الفوائد سواء كانت هذه القروض استهلاكية أم إنتاجية، وسواء ربحت هي من استغلال هذه الأموال أم خسرت؛ فالتمويل الربوي يركز قاعدة الملكية على نحو مؤكد. وهو في ذلك يخالف مقاصد الإسلام في توسيع قاعدة المستفيدين من المال، قال تعالى: “كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ” (الحشر: 7).

(2) إنَّ التمويل الربوي يحمل الإنتاج كلفة الفائدة وهي كلفة عقْدية باهظة، يدفعها المنظَّم للممول ثم يعود المنظِّم فيرحِّلها إلى المستهلكين عبر الأسعار التي لابد أن ترتفع كنتيجة طبيعية لارتفاع التكاليف، وإذا عرفنا أنَّ التمويل مُدخَل لا تستغني عنه أي عملية إنتاجية، فهذا يعني أنَّ الربا مصدر رئيس من مصادر تضخم دفع الكلفة، وقد قدرت حصة الفائدة من تكاليف الإنتاج في ستينات القرن الماضي بنحو 20%، أي خمس تكاليف الإنتاج.

(3) إنَّ التمويل الربوي ليس عادلاً في توزيع المخاطر فالدائن لا يتحمل شيئاً منها، وهو يحتاط لنفسه عن طريق الرهون والضمانات المختلفة، أما المتمول فهو يتحمل مخاطر الاستثمار كاملة. وبسبب تركز المخاطرة يكون قرار الاستثمار ومستقبل النشاط الاقتصادي جملة رهين بحالة التفاؤل أو التشاؤم التي تسيطر على المنظمين (المتمولين) كما يقرر شومبيتر Schumpeter، ولو انضم التمويل إلى التنظيم في تحمل مخاطرة النشاط الاقتصادي كما في المشاركة، لكان هذا أكثر أماناً وأدعى لتحقق الأجواء الصحية للاستثمار، وهذا ما جعل المدرسة الألمانية تقول بالتمييز بين رأس المال الخامل (الربوي) المذموم، ورأس المال النشيط المخاطر Venture Capital الذي تستدعي وجوده الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية.

(4) أكد Keynes أنَّ الفائدة تمثل عقبة بوجه الاستثمار الحقيقي، لأنَّ المنظِّم يقارن بين كلفة التمويل (سعر الفائدة) وعائد التمويل الذي يتوقع المنظِّم الحصول عليه من الاستثمار (الكفاءة الحدية)، وحينما لا يكون الفرق بينما كافياً لإقناع المنظِّم بالشروع في الاستثمار، فإنه لن يقدم عليه، وهذا يعني أنَّ الفائدة أصبحت قيداً مؤسسياً على الاستثمار الحقيقي والطاقة الإنتاجية التي ترتهن به. ومن زاويته لاحظ شومبيتر أنَّ الفائدة جزية ينتزعها الممول (الدائن) من المبتكر (المدين)، وهي كلفة تعيق دخول المبتكرات في عالم الإنتاج.

(5) يتجه التمويل الربوي في الواقع إلى وحدات فائض مليئة لكنها بحاجة إلى السيولة، أما وحدات العجز الحقيقي فلن تحصل على التمويل، لأنها لا تملك الضمانات المطلوبة (الأصول العينية) لتوثيق قروضها؛ فالمنظمون الذين ليس لديهم ضمانات كافية لن يحصلوا على التمويل بهذه الطريقة ولو كانوا أكفاء، وحتى لو حصلوا على شيء منه فبتكاليف عالية لانخفاض ملاءتهم الائتمانية، وهذا يعزز بقاء السيولة وعموم المال دُولة بين الأغنياء، وهو أمر مخالف لمقاصد الشريعة الإسلامية فيه.

(6) التمويل الربوي في الغالب يجنح نحو التمويل قصير الأجل في التجارة والتوظيفات المالية، وينأى عن التمويل طويل الأجل الذي هو عماد الاستثمار الحقيقي. الأمر الذي دفع الحكومات إلى إنشاء مصارف متخصصة تدعمها الدولة وتتضامن معها في تحمل مخاطر التمويل طويل الأجل الذي تحتاجه القطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية.

(7) إنَّ التمويل الربوي يفتقر إلى الكفاءة، لأنه لا ينطوي على دافع لإعادة توجيه الموارد المالية إلى الاستخدامات الأكثر جدوى من الناحية الاقتصادية كما يؤكد Leftwich؛ فطالما حصل المقرض على الفائدة واستوثق بالضمانات؛ فهو لا يعود مهتماً بطريقة استثمار المال بيد المقترض، على عكس الممول المشارِك الذي تستمر قوامته على أمواله بعد دخولها الاستثمار ويظل يبحث عن الفرص الأفضل لتحقيق العائد.

(8) التمويل الربوي يتسبب في دورات الأعمال والأزمات الاقتصادية والمالية: والمقصود بدورات الأعمال: تقلبات دورية حادة في مستوى النشاط الاقتصادي: رواج يعقبه انكماش ثم أزمة يعقبها انتعاش وهكذا دواليك. وقد أكد Wicksell أنَّ سبب الأزمات الاقتصادية ودورات الأعمال هو الاختلاف بين سعر الفائدة الطبيعي وسعر الفائدة النقدي. وأكد Sismondi وغيره، أنَّ السبب يكمن في الربا الذي يعطي حصة كبيرة من قيمة الناتج للأغنياء ويُفقِر جموع المستهلكين، وحينما لا يكون مع هؤلاء من الدخل ما يكفي لشراء السلع المنتجة يحصل الكساد.

(9) لاحظ Hawtrey وآخرون، أنَّ المصارف التجارية الربوية تتصرف بوحي مصالحها الخاصة المناقضة لمصلحة المجتمع وأهداف السياسة الاقتصادية؛ فتتوسع في منح الائتمان وتوليد نقود الودائع في أوقات الرواج فتتسبب في التضخم، وتقيد الائتمان وتضيق عرض النقد في أوقات الانكماش فتتسبب في الكساد.

https://al-sabhany.com/effects-of-interest-financing/

(9)
إدانات للنظام الربوي على وقع الأزمة المالية

إنَّ ما تقدم يظهر أن النظام الربوي مدان ليس من الناحية الشرعية فقط، بل من الناحية الاقتصادية أيضاً فالقناعات المتقدمة وضعها اقتصاديون غربيون ينتمون إلى نظام اقتصاد السوق، وكلها ربطت على نحو واضح بين النظام الربوي والأزمات التي حاقت بمجتمعاتهم. وبعد نشوب الأزمة المالية الأخيرة (2008)، هاجم كتاب غربيون النظام الربوي من جديد وحمَّلوه مسؤوليتها ومن هؤلاء:

http://www.alukah.net/culture/0/3746

بوفيس فانسون Vincent Beaufils:
كتب (بوفيس فانسون) رئيس تحرير مجلة (شالنجز) مقالاً افتتاحياً بعنوان (البابا أم القرآن؟)؛ نعى فيه بمرارة وبلهجة نقدية مفعمة باللوم، أخلاقية الرأسمالية وعرَّض بتساهل الكنيسة في تسويغ الربا الأمر الذي أودى إلى الهاوية، واستسمح (البابا) في الرجوع إلى القرءان بدلاً من النصوص البابوية لفهم ما يحدث من كوارث وأزمات كان العالم منها في منجى لو احترمت المصارف ما ورد في القرءآن من تعاليم وأحكام!!.

رولان لاسكين Roland Laskine:
وفي الإطار ذاته ندد (رولان لاسكين) رئيس تحرير (ذي فايننس) في مقالة بعنوان: “هل تأهلت (وول ستريت) لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟” ندد بعبثية الأسواق ودعا إلى منع المضاربات وتجارة الهامش وطالب بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي وشدد في اشتراط القبض ونجوز الملك لصحة البيع وكل ذلك يشدنا إلى مبدأ: “لا تبع ما ليس عندك” لوضع حد للأزمات التي تهز أسواق العالم.

(10)
هل من تصور بديل؟!

لما كان الربا قد تحول من عقد فردي إلى نظام تمويلي عام؛ فإن معالجته تستوجب تحول المجتمع إلى نظام تمويلي بديل، وقيام هذا النظام يلزم له الآتي:

  • بعث الوعي بالموقف الشرعي من الربا وترويجه ليكون ثقافة عامة للمجتمع.
  • تفعيل الإنفاق الخيري ومؤسسات التكافل الاجتماعي وعلى رأسها الزكاة والوقف والقرض الحسن في مجال تمويل حالات الاضطرار والاحتياج الاجتماعي.
  • تفعيل المشاركة ومأسستها كاطار تمويلي بديل عن المداينة الربوية في مجالات الاستثمار والعلاقات الاكتسابية الربحية. إن غياب المؤسسات التي تقوم على المشاركة هو الشرط الموضوعي الحاضن للنظام الربوي. إن المشاركة تعني توزيعاً عادلاً لمخاطر النشاط الاقتصادي ولمكاسبه في حين يحرص النظام الربوي على الكسب الآمن ويدفع المخاطرة إلى الغير ولأجل ذلك تتوالى الأزمات المالية ولا محيص. إن المصارف الإسلامية قد غادرت المداينة الإقراضية لكنها لم تغادر مدار المداينة بعد، والمطلوب منها والمطلوب لها هو عزمات تنظيرية ومؤسسية تعتقها من المداينة وتخرجها إلى المشاركة لتأخذ موقعvها المناسب في مشروع حضاري أصيل.
  • الترويج لثقافة استهلاكية متزنة تستحضر العلاقة الحتمية بين الإنفاق الاستهلاكي والدخل المتاح: “أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ … لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ …” (الطلاق: 6، 7)، أما أننا كأفراد وكأمة نريد أن نجاري الأثرياء ونغالب المترفين في أنماطهم الاستهلاكية دون الانتباه إلى فوارق الدخول بيننا وبينهم فهذا يعني أن فجوة الإنفاق لن تردم إلا بالمديونية، لكنها مديونية ربوية متجددة ومتزايدة الأعباء  تتوسع مع كل قرار استهلاكي غير رشيد يغطيه قرار تمويلي أبأس منه.

هذا، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

مراجع ذات صلة

  • Congressional Research Service, April 13, 2020, No. IN11330. Labonte, Marc, Federal Reserve: Monetary Policy Actions in Response to COVID-19.
  • Faure, AP. Money Creation, An Introduction, Quoin Institute (Pty) Limited & bookboon.com, 2013.
  • Jackson, Andrew and Dyson, Ben. Modernizing Money: Why Our Monetary System is Broken and How It Can Be Fixed. Positive Money Movement, London, UK, 2012
  • McLeay, Michael; Radia, Amar and Thomas, Ryland. Money creation in the modern economy, Bank of England, London, Quarterly Bulletin 2014, Q1.
  • Mishkin, Frederic S. The Economics of Money, Banking, and Financial Markets, Eleventh Edition, Global Edition, PEARSON: Pearson Education Limited, 2016.
  • Werner, Richard A.  How do banks create money, and why can other firms not do the same? An explanation for the coexistence of lending and deposit-taking, International Review of Financial Analysis 36 (2014).

لمشاهدة تسجيل المحاضرة والنقاش حولها

Read also