الإمام الغزالي ودقائقيات التحليل الاقتصادي الجزئي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وخاتم النبيين، وبعد: فإليك أيها القارئ الكريم بعض دقائق التحليل الاقتصادي الجزئي من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي.

(1)

الندرة النسبية: تكاثر الحاجات ومحدودية الدخل

في سياق بحثه التزكوي نلتقط من الإمام الغزالي هذا التوصيف للحاجات وننوه ابتداء أنه يعرض ذلك على سبيل الوصف لا الإقرار يقول رحمه الله تعالى: "... مَنْ معه قُوْتُه فهو فارغ القلب (في حالة توازن بلا حافز ولا فرصة لأن يغير الوضع الذي هو فيه)؛ فلو وجد مائة دينار مثلاً على طريق؛ انبعث من قلبه شهوات تحتاج كل شهوة منها إلى مائة دينار أخرى فلا يكفيه ما وجد بل يحتاج إلى تسعمائة أخرى، وقد كان قبل وجود المائة مستغنياً فالآن لما وجد مائة ظن أنه صار بها غنياً وقد صار محتاجاً إلى تسعمائة ليشتري داراً يعمرها ... وليشتري أثاث البيت ويشتري الثياب الفاخرة، وكل شيء من ذلك يستدعي شيئاً آخر يليق به وذلك لا آخر له ..." (الإحياء، 3: 34)،

وقد ورد توصيف الميل نحو التكاثر من المال في مواضع كثيرة من القرءان والسنة وهو الوجه الآخر لتكاثر الحاجات التي تستدعي المزيد من المال لإشباعها. وفي بيان تشخيص المقابلة غير المتكافئة بين الدخل والاحتياجات يقول الغزالي: "اعلم أنَّ الفقر عبارة عن فَقْدِ ما هو محتاج إليه ...؛ ففقر العبد بالإضافة (نسبة إلى) إلى أصناف حاجاته لا ينحصر لأن حاجاته لا حصر لها" (الإحياء، 4: 190). ومنه يفهم بجلاء سبق الإمام الغزالي في توصيف واقعة الندرة النسبية. وفي سياق أخر تحدث الغزالي عن الحرف وتداعيها استجابة للاحتياجات الإنسانية: "... فانظر كيف ابتدأ الأمر من حاجة القوت والملبس والمسكن وإلى ماذا انتهى (وما استتبعه ذلك)، وهكذا أمور الدنيا لا يفتح منها باب إلا وينفتح بسببه أبواب أخر وهكذا تتناهى (الحاجات) إلى غير حد محصور" (الإحياء، 3: 227).

(2)

النفعية وحب الذات

ترتبط النفعية بحب الذات على نحو وكيد لا انفكاك له يقول الغزالي مقرراً هذه الحقيقة ليعبر عليها إلى حقيقة أسمى هي محبة الله تعالى يقول: "حب الإنسان نفسه وبقاءه وكماله ودوام وجوده وبغضه لهلاكه وعدمه ونقصانه وقواطع كماله فهذه (هذه) جُبْلَة كل حي ولا يتصور أن ينفك عنها..." (الإحياء، 4: 201). والاستهلاك شرط لبقاء الإنسان، وتملك المال شرط للحصول على موضوعات الاستهلاك المختلفة من مأكل وملبس ومسكن ومركب ونحوها (ومن هنا جاء للوضعيين فكرة الحق الطبيعي).

إنَّ حب الذات بالمعنى الضيق الذي فهمه النفعيون في ظل عقيدة تقف حدودها عند أفق الدنيا لا بد أن تفضي إلى الأَثرة وهو المسلك الذي أمعن الكُتَّاب في انتقاده، لكن حب الذات نفسه قد تكيف ليكون دافعاً للإيثار في ظل العقيدة الإسلامية التي وسعَّت خيارات المستهلك المسلم لتشمل منافع الدنيا ومنافع الآخرة كما يتضح من الفقرة التالية.

(3)

التفسير النفعي للسلوك الإيثاري

في سياق تحريره لمعنى الإحسان والإنعام وعزوه حقيقة إلى المولى تعالى يقول الغزالي محللاً سلوك المنفق (المتصدق) على الغير ودوافعه النفعية في ذلك: "...؛ فكل مَنْ وصل اليك نعمة من الله تعالى على يده فهو مضطر إذْ سلَّط الله عليه الإرادة وهيَّج عليه الدواعي وألقى في نفسه أنَّ خيره (هو) في الدنيا والآخرة أن يعطيك ... فهو إذاً إنما يعطيك لغرض نفسه ... ولو لم يعلم أن منفعته في منفعتك لما نَفَعَك، فهو إذاً إنما يطلب نفْع نفسه بنفعك فليس (هو) منعماً عليك بل اتخذك وسيلة الى نعمة أخرى وهو يرجوها، وإنما الذي أنعم عليك هو الذي سخَّره لك ... فإن عرفت الأمور كذلك فقد عرفت الله تعالى وعرفت فعله وكنت موحداً وقدرت على شكره بل كنت بهذه المعرفة بمجردها شاكراً" (الإحياء، 4: 82، 83).

وهكذا ترى أن الإسلام بهذه العقيدة وبالسلوك الذي يتمثلها قد أعطى تسويغاً نفعياً خالصاً للسلوك الإيثاري؛ وهو بذلك يقدم حلاً لأعظم مشكلات الاجتماع الإنساني ألا هي مشكلة التعارض بين مصلحة الذات ومصلحة الغير!!؛ فمن ينفق على الغير إنما يقدم لنفسه: "... وما تُنفِقُوا مِنْ خيرٍ فلأنفُسِكمْ ۚ وما تُنفِقون إلَّا ابتغاءَ وجْهِ اللَّه ۚ وما تنفقوا من خيرٍ يُوَفَّ إليكمْ وأنتمْ لا تُظلَمونَ" (البقرة،272)، وهو بذلك يعيد برمجة النفس المؤمنة استجابة لحوافز المراباة الإيثارية: "... وما آتيتم من زكاةٍ تُريدونَ وجهَ اللَّه فأولئكَ هُمُ المُضعِفونَ" (الروم، 39). وهذا أربى الربا وأزكاه وأنماه للفرد وللمجتمع.

(4)

الغزالي وآدم سميث

والآن لنقرن ما تقدم بكلام آدم سميث عن حب الذات (self-love) وتوافق المصالح: "إننا لا نتوقع أن يتلطف علينا الجزار أو ... أو الخباز بطعام العشاء، إنهم يفعلون ذلك لمصالحهم الشخصية؛ نحن لا نتوسل بإنسانيتهم لتأمين ضرورياتنا؛ إنما هم يفعلون ذلك حباً بذواتهم، نحن لا نتحدث عن ضروراتنا، إنما نتحدث عن مكاسبهم" (A. Smith, P. 27). وإذا كان كلام آدم سميث عن حب الذات الذي يوفِّق بين المصالح يسلم في تفسير سلوك الأفراد لمرحلة ما قبل الاكتساب بالنوازع الفطرية؛ فإن الإسلام يمضي به في مرحلة ما بعد الاكتساب ولكن هذه المرة بدوافع تشريعية تجعل منفعة الشخص الذاتية تمر عبر نفعه للآخرين. هذا وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

عبدالجبار السبهاني
للترجمة أو إعادة النشر
تلزم الإشارة إلى المصدر
al-sabhany.com

متصفح المقالات