وقدِّر في السرْد

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وخاتم النبيين وبعد: فقد قال تعالى عن سيدنا داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: "وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ" (الأنبياء: 80). وقال أيضاً: "... وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (سبأ: 10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ... (سبأ: 11).

فما الصنعة؟ وما السَّرْد؟ وما التقدير فيه؟

أما الصنعة فهي صنعة الدروع أو السرابيل التي تقي المحارب من سلاح عدوه؛ فمن مِنَن الله سبحانه على سيدنا داود أن علمه صناعة الدروع من حَلَق الحديد ويسر له ذلك بإلانته له، وكانت الدروع من قبل تصنع من الصفائح فتثقل على المحارب وتقمع أو تحد من حركته.

وفي حيثيات التأهل لهذه المِنَّة أورد القرطبي رحمه الله في تفسيره ما خلاصته أن سيدنا داود لما تقلد مُلْك بني إسرائيل تنكر وخرج بين الناس يستطلع رأي الرعية فيه فساق الله إليه من قال له إنه: نعم العبد لولا أنه يرتزق من بيت المال، ولو أكل من عمل يده لتمت فضائله!!؛ فدعا سيدنا داود ربه أن يعلمه صنعة يستغني بها عن المال العام، فعلمه الله صناعة الدروع وألان له الحديد. ولعل هذا المعنى هو الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينوه بفضيلة العمل المعاشي بقوله: "ما أكل أحد طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده"، وينوه أيضاً بفضيلة سيدنا داود الذي كان نبياً وكان ملكاً ومع ذلك كان يأكل من عمل يده؛ فقال: "وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" (البخاري: 2072).

وإذن فالصنعة هي صنعة الدروع والمِنَّة فيها على سيدنا داود هي لأجل أن تغنيه عن المال العام، والمِنَّة فيها على الناس: أن تحصنهم من بأسهم. وهذه المعاني هي ما أشارت إليه آية سورة الأنبياء الثمانون. أما آية سورة سبأ العاشرة فأشارت إلى خصوصية المِنَّة لسيدنا داود بإلانة الحديد بيده. أما المواصفات المطلوبة في هذه الدروع؛ أن تكون كما بينته آية سورة سبأ الحادية عشرة: "سابغات" أي كوامل تامات واسعات تغطي ما يلزم تغطيته من جسد المقاتل. ويطلب فيها أيضاً التقدير في السَّرْد؛ فما السَّرْد وما التقدير فيه؟

خلاصة ما قاله المفسرون في السَّرْد:

  1. السَّرْد في قول: هو المسمار الذي يشك حَلَق الدروع.
  2. السَّرْد في قول آخر: هو الحَلَق ذاتها.
  3. السَّرْد في فهم آخر: هو عملية النظم ذاتها فيكون السَّرْد مصدر مثل النسْج والخصْف والله أعلم. أما ناتج هذه العملية فهو المسرودة أي الدرع المتقنة غير المهلهلة التي تتوالى حلقاتها بما لا يتيح نفوذ السلاح منها إلى جسد من يرتديها؛ قال أبو ذؤيب يصف مقاتلين لبسا درعيهما مطرياً جودتهما:

وَعَلَيهِمَــا مَسْــرُودَتَانِ قَضَاهُمَــا ..........  دَاودُ أَوْ صَنَـــعُ السَّــوَابِغِ تُبَّــعُ

وقال كعب بن زهير بن أبي سلمى في وصف محاربي الصحابة رضي الله عنهم وعنه:

شُمُّ العَرانِينِ أبْطالٌ لُبوسُهُمُ .......... مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ في الهَيْجَا سَرابيلُ

بِيضٌ سَوَابِغُ قد شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ ............ كأنَّها حَلَقُ القَفْعاءِ مَجْدولُ

والسربال يراد به الثوب أو الكساء الذي يلبس في السِّلم قال لبيد رضي الله عنه: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى كساني من الإسلام سربالا،  ويراد به أيضاً الدرع الذي يلبس في الحرب؛ قال تعالى: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ" (النحل: 81).

أما القفعاء؛ فنبات له حَلَق تشبه الأساور كما يظهر في الصورة التعبيرية معزاة إلى مصدرها.

وخلاصة القول في معنى: وقدِّر في السَّرْد والله أعلى وأعلم:

  1. مراعاة الموازنة بين اعتباري الحصانة ويسر الحركة.
  2. مراعاة العلاقة النسبية بين فتحة الحلقة والمسمار الذي يشُكّها: أي لا تجعل مسمار الدروع دقيقاً فيقلق، ولا غليظاً فيفصم الحلق.

ويبدو أن صناعة الدروع تطورت تالياً فألهم الله من يصنعها بلا مسمار يشك الحلق؛ إنما صارت الحلقات تتداخل مع بعضها فيمسك بعضها بعضاً فيكون الدرع أكثر مرونة ولياقة. هذا، و"سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين".

...

عبدالجبار السبهاني
للترجمة أو إعادة النشر
تلزم الإشارة إلى المصدر
al-sabhany.com

 

متصفح المقالات